السؤال:
بما أننا القائمون على شؤون مسجد عبد الله بن شيخ العيدروس بمنطقة الرملة ، فقد تقدم إلينا الإخوة مواطني المنطقة برغبتهم في إقامة صلاة الجمعة بالمسجد ، مؤكدين هذه الرغبة بطلب مكتوب فيه أسماء عدد من أهل المنطقة المقيمين البالغين وهم (53) شخص علما بأن عدد (8) أشخاص ممن شملهم الكشف يسكنون في المنطقة المجاورة المسماة ديار آل يماني وإن كان أغلب شعائرهم قد اعتادوا على تأديتها بالمسجد المذكور ، والعدد الباقي وهم (45) شخص لا يملك أحد التأكيد بالتزامهم الدائم بتأدية هذه الشعيرة بالمسجد ، وعندما طلبنا من الأخوة المواطنين رفع كشف موقع بإقرار كل شخص عن نفسه يحدد فيه مدى الالتزام على الوجه الأغلب كل حسب ظروفه وطبيعة عمله ، فضلوا أن لا لزوم للإقرار المكتوب ، وأن يترك ذلك للرغبة ، وإذا ما أقيمت صلاة الجمعة ولم يستوفَ العدد المطلوب شرعاً يمكن اعتماد ذلك كدليل دامغ لعدم الاستمرار مستقبلاً.
وتجدر الإشارة إلى أن القريتين المجاورتين للرملة وهما ( ديار آل يماني ، وحصن فلوقه ) تقام فيهما هذه الشعيرة ، ومنذ سنوات مما يجعل من المستبعد منطقياً أن يأتي أحد من هاتين القرينين للصلاة بالرملة.
نرجو إفادتنا بحكم الشرع الحنيف حول هذا الأمر ، وهل يجوز شرعاً إقامة هذه الفريضة في منطقة الرملة على أساس الإيضاح أعلاه أم لا.
والله يوفقكم ويتولى جزاكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ، وصلاته وسلامه على رسوله ومصطفاه ، سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فقد وصلت إلينا الرسالة الموجهة إلينا من القائمين على شؤون مسجد عبد الله بن شيخ العيدروس بمنطقة الرملة الموقع عنهم السيد أحمد ابن صادق بن محمد العيدروس المؤرخة 27 صفر 1416 هـ المتضمنة على رغبة أهالي منطقة الرملة بضواحي تريم في إقامة جمعة بقريتهم تلك ، سائلين عن ما هو الأسس الشرعية لإقامتها إلى آخر ما جاء فيها.
وبعد التأمل والمراجعة لما ذكر فإليكم ما ذكره فقهاؤنا الشافعية في كتبهم حول ذلك فيما يلي:
المقرر في مذهب إمامنا الشافعي رضي الله عنه وأرضاه أن الجمعة لا تقام ولا تصح ولا تنعقد إلا بأربعين ويشترط في كل واحدٍ منهم أن يكون ذكراً حراً بالغاً عاقلاً متوطناً بمحل إقامتها فلا يظعن صيفاً ولا شتاء إلا لحاجة.
كما يشترط صحة كل واحد منهم ، ولا يعتقد سنية بعض الأركان ، ولا يبدل حرفاً من الفاتحة بآخر ، ولا يسقطه ، إلى غير ذلك من أركان الصلاة وشروطها المعتبرة للصحة ، كما يشترط أن تكون مغنيةً عن القضاء ، لا كصاحب جبيرة في أعضاء التيمم مثلاً ، وأن لا يكون فيهم أمي وإن لم يقصر في التعليم كما قاله ابن حجر خلافاً للرملي؛ فحيث تم العدد أربعين وكانت الشروط المذكورة مجتمعة فيهم جاز بل وجب عليهم إقامتها في قريتهم ، وحرم عليهم تعطيلها ، فإن نقص العدد المذكور ، أو كان فيهم من لم يستجمع الشروط كما ذكرنا لم يجز لهم حينئذ إقامتها ولا تصح منهم ولا تنعقد ، ووجب عليهم الذهاب إلى قرية بجوارهم تقام بها بحيث يسمع منها النداء بشرطه ، فإن لم تكن هناك قرية بقربها تقام فيها الجمعة لزمهم فعل الظهر ، ولا بأس بتقليد من يقول بانعقادها بدون أربعين إذا قلدوه في ذلك تقليداً صحيحاً مستجمـــعاً لشروطه المشهورة ، فلا بد من معرفة مذهب مَن يقلدونه في تلك القضية ، وما تعلق بها ، التي فيها عدم التلفيق المحظور ، ولا سيما إذا شق عليهم الذهاب إلى القرية الأخرى التي تقام فيها الجمعة ، أو خشي تكاسلهم عنها ، فإن فرض كمال العدد المشروط كما ذكرنا في بعض الأوقات والنقص في وقت آخر وجب عليهم حال الكمال للعدد إقامتها ، وحال النقصان الذهاب إلى القرية الأخرى بقربها ، أو إقامتها في قريتهم مع التقليد المستجمع للشروط.
قال الإمام النووي في المنهاج مع التحفة عليه للعلامة الشيخ ابن حجر مع حذف ما نصه:
” ( وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ ) مثلاً ( إنْ كَانَ فِيهِمْ جَمْعٌ تَصِحُّ ) أَيْ تَنْعَقِدُ ( بِهِ الْجُمُعَةُ ) لِجَمْعِهِمْ شَرَائِطَ الْوُجُوبِ والانعقاد الآتية ِإنْ يَكُونُوا أَرْبَعِينَ كَامِلِينَ مُسْتَوْطِنِينَ لَزِمَتْهُمْ الْجُمُعَةُ… بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ تَعْطِيلُ مَحَلِّهِمْ مِنْ إقَامَتِهَا وَالذَّهَابِ إلَيْهَا فِي بَلَدٍ أُخْرَى , وَإِنْ سَمِعُوا النِّدَاءَ خلافاً ْ لجمع (أو)لَيْسَ فِيهِمْ جَمْعٌ كَذَلِكَ ,… لَكِنْ( بَلَغَهُمْ ) يَعْنِي مُعْتَدِلَ السَّمْعِ مِنْهُمْ إذَا أَصْغَى إلَيْهِ وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ فِي مَحَلٍّ مُسْتَوٍ , وَلَوْ تَقْدِيرًا أَيْ مِنْ آخِرِ طَرَفٍ مِمَّا يَلِي بَلَدَ الْجُمُعَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ( صَوْتٌ عَالٍ ) عُرْفًا مِنْ مُؤَذِّنِ بَلَدِ الْجُمُعَةِ إذَا كَانَ يُؤَذِّنُ كَعَادَتِهِ فِي عُلُوِّ الصَّوْتِ فِي بَقِيَّةِ الأيَّامِ ,… ( فِي هُدُوٍّ ) للأصوات وَالرِّيَاحِ ( مِنْ طَرَفٍ يَلِيهِمْ لِبَلَدِ الْجُمُعَةِ لَزِمَتْهُمْ .. .،وإلا ) يَكُنْ فِيهِمْ أَرْبَعُونَ ، ولا بَلَغَهُمْ صَوْتٌ وُجِدَتْ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ فلا تَلْزَمُهُمْ لِعُذْرِهِمْ “. إهـ .
وقال في البغية :
“( مسألة ي ) ونحوه ج ( متى كملت شروط الجمعة بأن كان كل من الأربعين ذكراً حراً مكلفاً مستوطناً بمحلها ، لا ينقص شيئاً من أركان الصلاة وشروطها ، ولا يعتقده سنة ، ولا يلزمه القضاء ، ولا يبدل حرف بآخر ولا يسقطه ، ولا يزيد فيها ما يغير المعنى ، ولا يلحن بما يغيره وإن لم يقصر في التعلم كما قاله ابن حجر خلافاً للرملي ، لم تجز إعادتها ظهراً ، بخلاف ما إذا وقع في صحتها خلاف ، ولو في غير المذهب ، فتسن إن صحت الظهر عند ذلك المخالف ، ككل صلاة وقع فيه خلاف غير شاذ.
ويلزم العالم إذا استفتي في إقامة الجمعة مع نقص العدد أن يقول : مذهب الشافعي لا يجوز ، ثم إن لم يترتب عليه مفسدة ولا تساهل جاز أن يرشد من أراد العمل بالقول القديم . إلى أن قال : عبارة ( ك ) وإذا فقدت شروط الجمعة عند الشافعي لم يجب فعلها بل يحرم حينئذ ؛ لأنه تلبس بعبادة فاسدة ، فلو كان فيهم أمي تم العدد به لم تصح وإن لم يقصّر في التعلم كما في التحفة خلافاً لشرح الإرشاد والرملي . ثم قال : وإذا قلد الشافعي من يقول بصحتها من الأئمة مع فقد بعض الشروط تقليداً صحيحاً مستجمعاً لشروطه جاز فعلها بل وجب حينئذ “. اهـ المقصود منها .
والله أعلم بالصواب.
كتبه الفقير إلى الله:
فضل بن عبد الرحمن بافضل
تريم بتاريخ 5/2/1416 هـ الموافق /7/1995 م