توصيل الكافر إلى الكنيسة

(مسألة) شخص مسلم استأجره كافر أن يحمله على سيارته ليوصله إلى إحدى الكنائس، ومعلوم أن الكافر في الكنيسة يعبد غير الله، فحمله واستلم الأجرة، فهل يجوز هذا الفعل للمسلم أم لا؟ وإذا قلتم بعدم الجواز ففي ماذا يصرف هذه الأجرة التي استلمها؟ وهل يعد هذا الفعل من المكفرات للمسلم؟ أفتونا، المسألة واقعة.

ذكر العلماء نفع الله بهم صحة استئجار الكافر للمسلم مع الكراهة، ففي التحفة لابن حجر من باب الإجارة ومثلها النهاية:

(نعم يصح استئجار كافر لمسلم ولو إجارة عين لكنها مكروهة، ومن ثم أُجبر فيها على إيجاره لمسلم)[1] انتهى.

وفي فتاوى ابن حجر ما مثاله:

((وسئل) عما إذا استأجر الكافر مسلمًا إجارة عين هل يحرم على المسلم إتمام الإجارة بنفسه؟ (فأجاب) بقوله: لا يحرم على المسلم إتمام الإجارة بنفسه بل يكره له، نعم إن كانت الإجارة فيما يمتهن به كالأعمال الدنيئة غير اللائقة به اشتدت الكراهة بل قيل بالحرمة حينئذ)[2] انتهى.

وبه يُعلم صحة ما ذكرنا، نعم ذكر العلامة الشبراملسي على قول النهاية (ويكره إعارة عبد مسلم لكافر وإجارته) ما صورته:

(هذا يفيد جواز خدمة المسلم للكافر؛ لأن المتبادر من الإعارة أنه يستخدمه سواء كان فيه مباشرة لخدمته كصب ماء على يديه وتقديم نعل له، أو كغير ذلك كإرساله في حوائجه، وتقدم في البيع أنه يجوز إجارة المسلم للكافر ويؤمر بإزالة يده عنه بأن يؤجر لغيره ولا يمكن من استخدامه، وهو يفيد حرمة خدمة المسلم للكافر، وعليه فقد يفرق بأن الإذلال في الإجارة أقوى منه في العارية للزومها، ولكن يرد على هذا أن في مجرد خدمة المسلم للكافر تعظيمًا له وهو حرام، وقد يقال لا يلزم من جواز الإجارة جعله تحت يده وخدمته له لجواز أن يعيره لمسلم بإذن من المالك أو يستنيب مسلمًا في استخدامه فيما تعود منفعته إليه، فليتأمل ذلك كله وليراجع، وفي عبارة المحلي ما يصرح بحرمة خدمته) انتهى.

وقال الشيخ الخطيب في المغني:

(ومحل جواز استئجار الكافر العبد المسلم كما قال الزركشي في غير الأعمال الممتهنة، أما فيها كإزالة قاذوراته فتمنع قطعًا)[3] انتهى.

فهذا يقتضي حرمة الاستخدام في الأعمال الممتهنة، وفي المحلي التصريح بحرمة خدمته مطلقًا كما نقلناه عن الشبراملسي آنفًا.

ثم إن حمل المسلم للكافر على سيارته إلى الأماكن التي يعبد فيها غير الله تعالى فيه إعانة على معصية من أكبر المعاصي، بل هي أكبرها بنص الحديث، وعليه فلا يجوز للمسلم الإقدام على هذا العمل ويأثم بذلك.

ومع هذا فلا يعد من المكفرات التي يخرج بها عن دين الإسلام ما لم يعتقد شيئًا مما اعتقدوه مما نكفرهم به كما هو ظاهر.

وأما الأجرة فيستحقها إذا علم ما استؤجر عليه وإن كان فعله حرامًا لأمر عارض، والإجارة صحيحة كما علمت ذلك مما نقلناه عن التحفة والفتاوى.

وفي حاشية الشبراملسي على قوله (ومن ثم أُجبر فيها على إيجاره لمسلم) ما صورته:

(أي فلو لم يفعل وخدمه بنفسه استحق الأجرة المسماة) انتهى.

وهو صريح فيما ذكرناه، والله أعلم.

وكتبه: الفقير إلى الله تعالى محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم عفا الله عنه، 16 جماد آخر 1380هـ.

وممن وافق على نصه الجواب الشيخ العلامة سالم بن سعيد بكيّر نفع الله به.

المراجع:

1
حواشي التحفة (6/112-113) ط المكتبة التجارية الكبرى الحلبي.
2
الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر (3/147) ط البابي الحلبي.
3
مغني المحتاج (2/335) ط مصطفى محمد الحلبي.

شارك الآن على:

Facebook
Twitter
LinkedIn