ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل:
كان والدي يقوم ببيع بعض أطراف أرضه لأحد أبنائه، ويرفض أن يبيع شيئا لبقية أبنائه، ويجري البيع فيما بينهما دون أن يرى أحد الثمن لا الكاتب ولا الشهود، علما أن والدي قد توفي وله أبناء وبنات من زوجتين، وقد اشترط على ابنه أنه بعد وفاته يقسم ما حصل عليه من الأراضي بينه وبين إخوته لأمه فقط دون إخوانه من الأب؛ نكاية بهم وحرمانا لهم، فوافق وتمت البيوع على هذا الشرط، والآن بعد وفاة والدي ونحن في قسمة التركة رفض أخي ما تم بينه وبين الوالد من الاتفاق، فما قول الشرع في ذلك؟ وهل يجوز للورثة المطالبة بما تم فيه التصرف بهذه الطريقة ويكون البيع باطلا؟
الحمد لله .. الجواب وبالله التوفيق:
يتلخص الجواب على هذه الواقعة فيما يلي:
أولا: كل ما كان في ملك الإنسان وتحت يده يجوز له أن يتصرف فيه بما شاء من أنواع التصرفات ببيع أو غيره ــ ما دام أنه مالك له مختار وغير محجور عليه ــ، وحينئذ فيجوز لهذا الأب أن يبيع ما شاء من أمواله لمن شاء بالثمن الذي أراده.
ثانيا: لا يؤثر على صحة البيع عدم رؤية الشهود وغيرهم للمبيع أو الثمن؛ لأن الشرط هو رؤية المتعاقدين فقط للمعقود عليه أو علمهما به جنسا وقدرا وصفة.
ثالثا: لا يؤثر على صحة البيع قصد حرمان الورثة؛ وقد نص العلماء على أن التبرعات المنجّزة في حال الصحة تنفذ ولا تحرم وإن قصد بها حرمان الورثة[1]، وبالأولى من ذلك التصرف بالبيع وغيره من عقود المعاوضة؛ ولأن الأصل أن الإنسان يتصرف في ماله كيف شاء، ولا يحجر عليه في التصرف في ماله إلا فيما حجر عليه الشارع، ولم يوجد ما يقتضي الحجر هنا؛ نعم يؤاخذه الله عز وجل على قصده، وهذا خاص بينه وبين الله عز وجل.
رابعا: كل شرط مناف للعقد إذا وقع في صلب العقد أو في مجلسه أفسد العقد، ومن ذلك الشرط المذكور في السؤال، وعليه: فإن وقع الشرط في صلب العقد أو في مجلسه.. أفسد العقد وكان البيع باطلا، وإن كان مجرد وعد أو اتفاق بينهما وقع قبل العقد أو بعد مجلسه صح العقد، ثم إن كان الوعد من الابن على نية الالتزام لزمه الوفاء شرعا بما وعد به، وإلا.. فيندب له الوفاء بذلك[2].
خامسا: كل من ملك شيئا بطريقة شرعية صحيحة.. فلا يلزمه أن يتصرف فيه بأي تصرف يزيل ملكه عنه أو يشرك معه غيره فيه إلا برضاه، حتى وإن كان قد وعد بذلك.. فلا يلزمه الوفاء ــ إلا إن نوى الالتزام كما تقدم ــ وإنما يندب له.
سادسا: نوصي جميع الأطراف عند حصول النزاع أن يعودوا إلى حكم الله عز وجل ويرضوا بما قسم الله تعالى ويصونوا قلوبهم عن تحامل أو حسد، ويعرفوا أن الرحمة والحرص على المودة والصلة أعظم من هذه الفانيات من الدنيا، وكل امرئ ترك شيئا لأجل الله عز وجل عوضه الله خيرا منه، والشريعة تحكم بما ظهر وبما بدا، والفتوى لا تحل ما حرم الله ولا تحرم ما أحل الله تعالى.
وفي الحديث عند أحمد:
«يا وابصة استفت قلبك، واستفت نفسك ــ ثلاث مرات ــ، البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك»[3]
.. والله تعالى أعلم
المراجع: