وأتته -رضي الله عنه- :
مكاتبةٌ من دوعن من الشيخ العلَّامة المحقق فخر الأقران، وإمامِ العِرفان عبد الرحمن بن أحمد باشيخ[1]، يذكر فيها مسألة العسل بشمعه هل هو مُتقوِّم أو مِثلِي؟
فأجاب بقوله:
بعد البسملة والحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها قال: صدرت من تريم بعد وصول مُشَرِّفِكم الكريم، والحمد لله على عافيتكم وطيب أحوالكم وخدمتكم لشريعة سيد المرسلين.
ثم قال: وما ذكرتم عن شأن مسألة عَقيل التي وقع البحث فيها معكم مكاتبة، ومع الأخ فضل مشافهة، من كون العسل بشمعه هل هو متقوم أو مثلي، والذي ظهر لكم أنَّه متقوم، واستدللتم على ذلك بعبارة الأم[2]، والقليوبي[3]، وبكلام أهل الخبرة لديكم، ونقلتم لنا عبارة الأم والشيخ القليوبي، فجزاكم الله عنا خيراً.
وهو الذي يتبادر إلى الذهن، ولكن لا يخفى سيدي الشيخ -حفظه الله- أن الكلام في مقامين: مقام عمل، ومقام فتوى أو حكم.
أما الأول: فيجوز حتى بالأقوال الضعيفة. وأما الثاني: فلا يجوز للمقلِّد أن يفتي أو يحكم إلا بالراجح المعتمد[4]، وهو ما رجَّحَه الشيخان فالنووي إلخ ما ذكروه مما لا يخفى على سيدي.
والذي رجَّحه الشيخان وأقرَّهما المتأخرون بعدهما عليه كابن حجر والرملي والخطيب الشربيني والشيخ زكريا وغيرهم من أهل الحواشي، أن العسل بشمعه مثلي[5]، ولم يخالف أحد في ذلك من المتأخرين، بحسب ما اطلعنا عليه، إلا الشيخ القليوبي، على أنَّ في كلامه مناقشات لسنا الآن بصددها.
ومعلوم لدى كل عليم أنَّ الفتوى الآن وقبله بأزمنة، ومثله الحكمُ على ما رجَّحه الشيخان، إلا ما أجمع المتأخرون على أنَّه سهوٌ أو غلطٌ وأَنَّى به، إذا قالت حَذامِ فصدِّقوها، فإن القول ما قالت حَذام، وأنه لا يعترض عليهما بالنصَّ.
قال الشيخ ابن حجر في ((تحفته))[6]:
ومن جواز اعتماد المفتي ما يراه في كتاب معتمد فيه تفصيل لابد منه، ودلَّ عليه كلام المجموع وغيره، وهو أن الكتب المتقدمة على الشيخين لا يعتمد على شيء منها إلا بعد مزيد الفَحْصِ والتحَرِّي حتى يغلُبَ على الظنِّ أنه المذهب، ولا يغتَرَّ بتتابع كُتُبٍ متعددة على حُكْمٍ واحدٍ، فإن هذه الكثرة قد تنتهي إلى واحد، ألا ترى أن أصحاب القَفَّال أو الشيخ أبي حامد مع كَثرتهم لا يُفَرِّعُون ويُؤَصِّلُون إلا على طريقتِه غالباً، وإن خالفت سائر الأصحاب، فتعَيَّن سَبْرُ[7] كتبهم.
هذا كلُّه في حُكمٍ لم يتعرَّض له الشيخان أو أحدهما، وإلا فالذي أطبق عليه محققو المتأخرين ولم تزل مشايخُنا يوصون به وينقلونه عن مشايخهم وهم عمَّن قبلهم وهكذا، أن المعتمدَ ما اتفقا عليه، أي ما لم يجمع متعقبوا كلامهما على أنه سهو وأَنَّى به.
ألا ترى أنهم كادوا يجمعون عليه في إيجابهما النفقة بفرض القاضي، ومع ذلك بَالَغْتُ في الردِّ عليهم كبعض المحققين في شرح ((الإرشاد)). فإن اختلفا فالمصنِّف[8]، فإن وجد للرافعي ترجيحٌ دونه فهو، وقد بيَّنت سبب إيثارهما وإن خالفا الأكثرين في خطبة ((شرح العُباب))[9] بما لا يُستَغنَى عن مراجعته. اهـ تحفة.
وقال أيضاً من أثناء جواب له: إن الحق ما درج عليه مشايخنا ومشايخهم وهلُمَّ جرَّا من اعتماد ترجيح كلام الشيخين في الإفتاء وغيره، وأنه لا يُعتَرَضُ عليهما بكلام الأكثرين، ولا بالنص ولا بغير ذلك، وبيَّـنتُ فروعاً اعترضوا فيها عليهما بالنص، ثم لما أمعنتُ التفتيش رأيتهما استندا لنص آخر، إلخ ما أطال به في ((الفتاوى))[10].
بل بالغ بعضهم فقال: لا يجوز الفتوى إلا بما في ((التحفة)) و((النهاية)) فقط دون غيرهما، وهما -أعني الشيخين- أعرفُ بالنص من غيرهما، فإن كتب الإمام لم تزل نصب أعينهما.
وعجبت من سيدي الشيخ -حفظه الله تعالى- أنكم ذكرتم لي أولاً في كتابكم أنكم راجعتم ((التحفة)) و((النهاية)) و((شرح الروض))، فرأيتموهم جازمين بأنه مثلي، ولم يحكوا فيه خلافاً إلا شيخ الإسلام في ((شرح الروض)) إلى آخر ما ذكرتم.
فإن أردتم أنهم لم يذكروا خلافاً للإمام الشافعي رضي الله عنه فمُسَلَّمٌ، وإن أردتم أنهم لم يحكوا خلافاً للأصحاب فعجيب، فإن الخلاف مذكور في متن المنهاج[11] وغيره، والله أعلم.
المراجع: