وقف لثلاثة مساجد ثم أخذ منه لعمارة الوقف (1)

السؤال:

ما قولكم دام فضلكم فيمن وقف بستانه المعروف بحدوده الأربعة على ثلاثة مساجد، وشرط أن تقسم غلته خمسة أسهم، سهمان منها لمسجد كذا، وسهم لمسجد كذا، وسهم لمسجد كذا، والسهم الخامس يصرف لعمارة البستان الموقوف؟ ولم تف غلته للعمارة، فهل للناظر الحق في أخذ شيء من الأسهم الأخرى لتكميل عمارته من تصفية أرضه وتسميدها وغير ذلك حتى تحصل الفائدة وتزيد الغلة أم لا؟

كما أن أحد المساجد الثلاثة من الموقوف عليها يريد الناظر إصلاحه وتكميل عمارته، وغلة السهم الواحد الخاصة به غير كافية في الحال، فهل يجوز له أخذ شيء من غلة الأسهم الأخرى للمسجدين الآخرين، وسوف يوفيهما في المستقبل من غلة ذلك المسجد الذي يريد إصلاحه؛ خوفاً من اتساع الضرر؟

أفيدونا ولكم الأجر.

الحمد لله، ونسأله التوفيق للصواب، (الجواب):

ذكر العلماء نفع الله بهم أن نفقة الموقوف ومؤنة تجهيزه وعمارته من حيث شرطها الواقف من ماله، أو من مال الوقف، وإلا فمن منافعه، أي الموقوف، كغلة العقار.

ففي فتاوى الكردي نقلاً عن شرح الروضة ما نصه[1]:

«نفقة الموقوف ومؤنة تجهيزه وعمارته من حيث شرطت، أي شرطها الواقف من ماله أو مال الوقف، وإلا فمن منافعه، أي الموقوف، ككسب العبد وغلة العقار.» انتهى.

وحيث لم يف ما شرطه الواقف بالعمارة كما في واقعة الحال، فالذي يظهر أنه يؤخذ من الأسهم الأخرى لتكميل العمارة، ويكون كما لو لم يشرط شيئاً؛ وذلك لأن عمارة ذات الموقوف عائد نفعها للموقوف عليه بحصول الغلة ونمائها، وللواقف باستمرار الأجر له ودوامه.

ويؤيد ذلك ما في فتاوى العلامة ابن زياد، وعبارة مختصرها[2]:

«(مسئلة) أراضٍ موقوفة على مدرسة، وفيها وظائف معلومة، ولها ناظر، فتهايأ أرباب الوظائف الأراضي على قدر معاليمهم وتراضوا بذلك، ثم احتاج بعض الأراضي المميز لأحد الأقسام إلى عمارة، ولم يرض أرباب القسم المذكور بالصرف من معاليمهم، قدم الناظر وجوباً عمارة الأراضي المذكورة على أرباب الوظائف، بل على عمارة المدرسة، سواء شرط الواقف ذلك أم لا، ويكون صرف العمارة من رأس الغلة، لا من خصوص غلة القسم المحتاج لذلك؛ لما فيه من الإضرار بغلته وتوفيرها في البقية، ويقسم الباقي بين أرباب الوظائف في جميع الأقسام بحسب أنصبائهم، ولا يقدح في ذلك ما جرى من المهاياة والتراضي المذكورين.» انتهى.

وقول السائل: «أن أحد المساجد الثلاثة من الموقوف عليها يريد الناظر إصلاحه وتكميل عمارته» إلى قوله: «فهل يجوز له أخذ شيء من غلة الأسهم الأخرى» إلى آخر السؤال.

جوابه: أن ناظر المسجد كولي المحجور، فحيث جاز للولي إقراض مال موليه والاستقراض له، جاز للناظر ذلك، وإلا فلا.

وقد ذكروا أنه يجوز للقاضي، أي ومن في معناه، إقراض مال الطفل وإن لم يكن ضرورة، قالوا: لأنه مشغول، بخلاف نحو الأب، فلا يجوز له ذلك إلا لضرورة.

وناظر الوقف في مسألتنا كالأب، فلا يجوز له إقراض مال المسجدين المذكورين إلا لضرورة، كخوف نهب في الحضر، أو اضطراره إلى سفر مخوف أو في بحر، ويكون المقترض أميناً موسراً.

كما لا يجوز للناظر المذكور الاقتراض لعمارة المسجد المحتاج للعمارة إلا بإذن الواقف أو الحاكم.

وإليك الدليل من كلام العلماء على ما ذكرناه.

ففي فتاوى شيخ الإسلام ابن حجر[3]:

«(وسئل) عما إذا استغنى مسجد عن العمارة، وبقربه مسجد آخر يحتاج إليها، فهل يجوز للناظر أن يقترض لها من المسجد الغني عنها؟ (فأجاب بقوله): ذكروا أن إقراض مال الوقف كمال الطفل، وذكروا أنه يجوز للقاضي، أي ومن في معناه، إقراض مال الطفل وإن لم يكن ضرورة، بخلاف نحو الأب، فلا يجوز له ذلك إلا لضرورة، وقضية ذلك أن مال المسجد كمال الطفل، فالاقتراض لعمارة المسجد جائز لذلك، كالإقراض لعمارة الوقف بل أولى، وقد ذكر الرافعي ما مقتضاه أنه يجوز للإمام والقاضي أن يقترض لعمارة الوقف، وصرح بأنه لا يجوز ذلك للناظر بغير إذن الإمام، أي ومن في معناه، وأفتى ابن الصلاح بأنه يجوز ذلك للناظر وإن لم يؤذن له فيه؛ لأن النظر ولاية تقبل مثل هذا، وعليه فيلحق به الصورة المسؤول عنها، إلحاقاً لعمارة المسجد بإصلاح ضياع الطفل.» انتهى.

وفي التحفة في باب الحجر على قول المتن: (ويتصرف الولي بالمصلحة)، ما ملخصه[4]:

«ولو اضطر ولي الطفل إلى سفر مخوف أو في بحر، أقرضه أميناً مؤسراً، وفي الحضر عند خوف نهب يقرضه لمن ذكر، فإن تعذر أودعه، وللقاضي الإقراض مطلقاً؛ لأنه مشغول.» انتهى.

ونحوه في النهاية والمغني.

وفي بغية المسترشدين ما مثاله[5]:

«(مسئلة بلفقيه) ليس لناظر الوقف وولي المحجور الاقتراض له لنحو نفقة وعمارة، كإقراض ماله، إلا بإذن الواقف أو الحاكم، ولو بقوله في خط النيابة: وأذنت له أن يقرضه ويقرض ماله، فيرجع به حينئذ في ماله، بخلافه بلا إذن فلا رجوع، وإن كان المنفق الحاكم نفسه.» انتهى.

قال العلامة سيدي أحمد بن عمر الشاطري في تعليق على قول البغية: (كإقراض ماله): «ليس في أصل ب ذكر لإقراض مال الوقف والمحجور، وإن كان الحكم في الواقع كذلك بشرطه»[6] انتهى.

وبذلك يعلم صحة ما ذكرنا، والله أعلم.

وكتبه: الفقير إلى الله محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم، في 23 ذي القعدة 1375هـ.

المراجع:

1
انظر: فتاوى الكردي (صـ130).
2
انظر: البغية بهامشها فتاوى ابن زياد (صـ178ـ179).
3
انظر: الفتاوى الكبرى (3/259).
4
انظر: حواشي التحفة (5/180).
5
انظر: البغية (صـ174).

شارك الآن على:

Facebook
Twitter
LinkedIn