فُكَّ الحاكم أموال الغائبين أو المفقودين المُعْهَدَة

وسئل -رضي الله عنه-:

هل للحاكم أو نائبه أن يفُكَّ أموال الغائبين أو المفقودين المُعْهَدَة، ويقوم مقامهم في طلب الفكِّ والفسخِ أم لا؟ فإن قلتم: ليس له ذلك فذاك، وإن قلتم: له ذلك، فلو أن المتعهد باعَها على سبيل القطع لآخر، والآخر لآخر، وهكذا وتصرَّفوا فيها تصرُّف المُلاك مدةً مديدةً، وطلب الحاكم الآن أن يفُكَّها [ويبذل] [1] ما فيها للمالك الآن، فهل للحاكم أو نائبه أن يفُكَّ ويُجبِرَ المالكَ على الفسخ، والحال أنه -أي المالك- منكِرٌ أنَّ المال فيه عُهدة؟

وأيضاً لو ادعى الحاكم أو نائبه أن المُعهِد متوفي وليس له وارث ولا ذو رحم موجودين، فهل للحاكم أو نائبه أن يفكَّ ويجبر المالك على الفسخ مع إنكاره للعُهدة أم لا؟

فأجاب بقوله:

نسألُ الله تعالى التوفيقَ للصواب.

ليس للحاكم ولا لنائبه أن يفُكَّ أموال الغائبين المعهدة، ولا يقومَ مقامهم في طلب الفكِّ والفسخ، وإن رأى المصلحة في ذلك، كما صرَّح به العلامه أبو قُضام، قال: كما إنه لا يفك المرهون قبل مطالبة المرتهن بدينه؛ ولأنه إنما يتصرف بالحفظ لا بالمصلحة.

وبمثله أجاب السيد الشريف محمد بن حسن ابن الشيخ علي بن أبي بكر السكران، وليس ذلك كولي اليتيم، فإنه يتصرف له بالمصلحة، والمفقود كالغائب فيما ذكر؛ إذ لا فارق مؤثر هنا، ومثلهما الميِّت الذي لم يخلِّفْ ورثةً ولا ذا رحم، والحال أن له أموالاً مُعْهَدةً عند الغير، فليس له ولا لنائبه دَخلٌ فيها كما يظهر للفقير؛ لعدم انتظام بيت المال لجَورِ الوُلاة.

وأيضاً فإن المتعهِّدَ مَلَكَ الأموالَ مُلكاً تاماً يتصرف فيها بما شاء، ولم يبقَ للمُعهِدِ شيءٌ سِوَى الوفاء بالوَعد، وهو لا يقابل بالأعواض، وما يتعامل به العوام الآن من بيعٍ أو نذر الغبطة المسماة في عُرفهم بالبَغوَة والولا، فمِنَ الجَهلِ المحض كما نصَّ عليه الإئمة، فيجِب زجرُهم وتنبيهم.

ويؤيد ما ذكرناه قول القلائد [2]:

وذكر الأئمة أن القاضي لا يقبض للغائب، ولا يعفو على الدية، ولا يفسخ عقداً له فيه خيار. اهـ.

وقال في موضع آخر نقلاً عن القفَّال:

ولا يأخذ له بالشفعة. [3] إلخ ما قال.

فإن قلتَ: صرَّحوا بأن الحاكم يتولَّى الأموال الضائعة، ومالَ مَن لا وارثَ له ولا رحم كبقية أموال المصالح، قلتُ: هو مفروضٌ في حاكمِ عدلٍ منتَظِمٍ، لديه بيتُ المال، وأَنَّى لك به الآن.

فقد قال ابن الجمال [4] رحمه الله تعالى:

لا يرث الآن بيت المال بإجماع الأئمة الأربعة.

وهذا في زمنه، فما بالك بزماننا أبو العجايب والغرايب.

وأيضاً ليس هاهنا مالٌ لِمَن ذُكِرَ مِن الغائب والمفقود ومن ليس له وارث، حتى نقولَ: يتولاه الحاكم، بل المال مالُ المتعهِّد مُلكاً وتصرُّفاً، ولهذا لو حلف أن لا مال له، حَنَثَ، ولو نذر أو أوصى بماله، دخلَ في الوصية والنذر، بخلافِه مِن المُعهِد في الثلاث الصور [5] كما صرَّحوا به [6].

فإن قلتَ: لو فرَضنا انتظامه بعَدلِ مُتوَلِّيهِ، هل له الفكُّ إلحاقاً له بوليِّ اليتيم أم لا؟ قلتُ: يُمكن أن يقال بالإلحاق، بجامع أنَّ كُلاً منهما متصرِّفٌ عن الغير، وعن مَن لا يُعَبِّرُ عن نفسِه، وقياساً على الشُّفعة، ويمكن أن يقال بعدم الإلحاق، والفرق بينهما: أنَّ وليَّ اليتيم قائمٌ عن مُعَيَّنٍ مَحصُورٍ، بخلاف الحاكم فإنه قائم عن المسلمين جميعِهم، ومنهم المتعهِّد، ومن كان نائباً عنه بولاية أو وكالة، وتوزيع الثمنِ، ومعرِفةِ حِصَّة المتعهِّدِ ومَن معَه مِمَّن له ولايةٌ أو وكالةٌ عليه مستحيلان قطعاً، فامتنَعَ الفَكُّ؛ للجهل بذلك.

هذا كلُّه إذا أقرَّ مَنِ المالُ تحتَ يدِهِ الآن، وهو المالك الأخير، أنه بيده عهدة، أما إذا أنكر، والحال أنه لم تكن بيِّنةٌ، فهو المُصدَّق بيمينه أنَّه ليس فيه عُهدة، وإن كان وارثاً، فعلى نفي العلم.

قال في القلائد [7]:

مسألة: إذا اختلف المتبايعان في أصل شَرْطِ العُهدة، فالقول قول نافيه وهو المشتري، أو وارثه إن مات، ويُحَلَّفُ الوارثُ على نفي العلم، كذا أفتى به شيخنا عبد الله بافضل وخَلْقٌ [8] غيره؛ لأن الأصل عدم الشرط، وموضوع العقد لزومه دواماً. اهـ.

وقال الشيخ عبد الله بن أحمد زرعة في رسالته [9]:

إذا اختلف البائع والمشتري في وَعْدَ العهدة، فقال البائع: وقع البيع على سبيل العهدة، وقال المشتري: هو قَطْعٌ، صُدِّقَ النافي وهو المشتري، ووارث كُلٍّ منهما كمورثه، فيَحلِفُ وارثُ المشتري على نفيِ العلم، وإنما كان القول قول المشتري؛ لأن البائع يدَّعي عليه صدور وَعدٍ منه خارجِ العقد، والأصل عدمه وموضوع العقد لزومه. اهـ.

فإذا لم يكن للمُعْهِد نفسِه طريقٌ في الَفِّك مع إنكار المشتري، فلأنْ لا يكون للحاكم ونائبه طريقٌ من باب أولى.

ثم رأيت في موضع آخر من الرسالة المذكورة ما يشهد لذلك، ونصه:

ولو أَن المتعهد باع العين المعهدة إلى آخر فجاء المعهد يريد أن يفك فأنكره المتعهد الثاني وقال: إن المال مالي وتحت يدي، ليس فيه وعدُ عهدةٍ ولم تكن ثَمَّ بينةٌ، والحال أن المعهد الثاني مُقِرٌّ للأول بالوعد وسلَّمَ إليه المعهد دراهم الفَكِّ، فعَنِ العلامة أبي قُضام أنه يلزم المتعهد الأول قيمتُه للحَيلولة، معلِّلاً له بأنه الذي تسبب إلى فوات الأخذ بالعهدة، وردَّه العلامةُ عبد الله بن عمر مخرمة وقال: لا يلزم المتعهِّدَ الأولَ قيمةُ المال المعهد لوجهين، أحدهما: أنَّ البيع كان جائزاً له، وفوات الفسخ لم يكن بنفس البيع، وإنما هو بجحود المشتري، وليس ذلك فعل المتعهد المذكور حتى يكون سبباً لتضمينه. ثانيهما: أن الذي تحصل بتفويته بذلك على المعهد ليس مُلكاً له يقابَلُ بالأَعواض، وإنما هو مجرَّدُ حقٍّ كحقِّ الشفعة والخيار ونحوهما، ومن المعلوم أن تفويت مثل ذلك لا يقتضي التضمين قطعاً.

وأمَّا تعليلُ أبي قُضام بأنه الذي تسبب إلى فوات الأخذ بالعهدة فممنوع؛ لما قدمناه من أن البيع بمجرده ليس سبب فوات الفسخ، وإنما سببه الجحود، ثم بسط في الرد حتى قال: فإن قلت: لو وقف المال المعهد غرم تمام القيمة على القول بصحة الوقف كما أفتى به جماعة [10]، فهل تتخرَّج فتوى أبي قضام على ذلك أم لا؟ قلتُ: بل [لا] [11] تتخرَّج على ذلك، والفرق أنه في صورة الوقف حصل التفويت بنفس تصرف المتعهد؛ لأن الوقف نفسه هو الذي منع الفسخ، فلهذا قال من قال بالتضمين فيه، وفي صورة السؤال لم يحصل التفويت ببيع المتعهد؛ لأن مجرَّد بيعه لا يمنع تسليط الفسخ، وإنما الذي منع من التسليط جحود المشتري. اهـ.

وبه يعلم الجواب عن قول السائل: فلو أنَّ المتعهِّد… إلخ، إذا علِمتَ جميع ما ذكرناه، اتَّضح لك أنه ليس للحاكم ولا لنائبه دَخلٌ في الفَكِّ، ولا يلزم المالك الفسخ والحال ما ذُكِرَ.

وما أدري حال مَن يفتَحُ للولاة الآن هذا الباب، ويُعلِمُهم بأنَّ لهم الفكَّ، ويُغرِيهم على ذلك، كيف يلقَى الله تعالى…

والله أعلم بالصواب.

المراجع:

1
ما بين المعقوفين ساقط من (أ).
2
باقشير، قلائد الخرائد(2/529).
3
باقشير، قلائد الخرائد(2/534).
4
هو: العلامة الشيخ علي بن أبي بكر بن علي بن أبي بكر بن عمر، الخزرجي، الأنصاري، المكي، الشافعي، المعروف بابن الجمال المصري، فقيه فرضي، توفي بمكة سنة (1072هـ). ينظر: الزركلي، الأعلام (4/ 267). كحالة،  معجم المؤلفين(7/ 46). إسماعيل بن محمد أمين، هدية العارفين (1/ 759).
5
أي الحلف والنذر والوصية.
6
ينظر: المشهور ((بغية المسترشدين)) (ص:218).
7
باقشير، قلائد الخرائد وفرائد الفوائد (1/326).
8
في (أ) خَلَفٌ بالفاء.
9
المسماة: شرح إطلاق العقدة في مسائل العهدة (ص: 171)، وهي مخطوطة في مكتبة الأحقاف للمخطوطات تريم، تحمل رقم (2616).
10
في (ب) جماعات. 
11
ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

شارك الآن على:

Facebook
Twitter
LinkedIn