ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل:
نَقومُ بتربيةِ الدودِ ثُمَ نَبيعُها لأصحَابِ الطيورِ، فهلْ تجوزُ هذهِ التربيةُ وهذا البيعُ؟ مَعَ العِلْمِ أنَ الدودَ يَنفَعُ الطيورِ! فما هو الجوابُ مَعَ ذكرِ الدليلِ والنصوصِ في ذلكَ؟
الحمد لله .. الجواب وبالله التوفيق :
اتّفق الفقهاءُ على عدم جواز بيع الحـشرات([1]) ؛ لعدم وجود النفع فيها، واستثنوا جواز بيع بعض الحشرات؛ نظرا إلى وجود بعض المنافع فيها، وخصوا من ذلك بعض أنواع الدود؛ ما بين متفق عليه، ومختلف فيه، فمن ذلك:
أجاز الفقهاء من المذاهب الأربعة([2]) بيع دودة القَزّ نظرا إلى وجود منفعة فيها؛ إذْ أنّها تنتج الحريرَ الذي هو أفخر وأغلى ملابس الدنيا، وأجاز الحنفية والشافعية والحنابلة بيع دودة العلق([3])؛ نظرا لوجود منفعة فيها وهي: امتصاص الدم من الجسد؛ مع اعتبارهم لها مالاً متمولا؛ نصّ على ذلك الحنفية، ونقله ابن عابدين في حاشيته([4])، وأفتى ابن عابدين الحنفي بجواز بيع دودة القرمز؛ نظرا إلى وجود منفعة فيها وهي: صبغ الثياب بها؛ ولأنها صارت من أعز الأموال في زمانه؛ فقد قال في حاشيته : « وأما حكم بيعها فينبغي جوازه كما أجازوا بيع السرجين للانتفاع به، وكذا بيع دود القز وبيضه؛ لأنه مال يضنّ به وهو المُفْتَى به، وكذا بيع النحل والعلق، مع تصريحهم بأنه لا يجوز بيع الهوام، وهذه الدودة -أي القرمز- عند أهل زماننا من أعز الأموال وأنفسها، والضّنة بها أكثر من دودة القز، وقد سمعت أن الدودة نوعان: نوع منها حيواني يخنق بالخلّ أو بالخمر، ونوع منها نباتي، والأجود في الصّبغ الأوّل، والله أعلم» ([5])اهـ .
وأجاز فقهاء المالكية بيع الدّيدان لطعم السّمك؛ ففي الشرح الصغير : «(و) لا يصح أن يباع (ما بلغ) من الحيوان (السياق) – أي نزع الروح- بحيث لا يدرك بذكاة لو كان مباح الأكل لعدم الانتفاع به .. وكذا خشاش الأرض كالدود الذي لا نفع به» اهـ.
قال الصاوي في حاشيته قوله: (الذي لا نفع به) احترز بذلك عن الدود الذي به النفع؛ فإنه جائز ، مثل دود الحرير ، والدود الذي يتخذ لطعم السمك.» ([6]) اهـ.
وأجاز الحنابلة بيع الدود؛ لصيد السمك؛ لوجود النفع الجائز ([7]).
ويمكن أن يجوز بيع الدود المنتفع به لإطعام الطيور؛ نظير ما ذهب إليه المالكية والحنابلة من جواز البيع للدود المنتفع به للسمك؛ لوجود النفع الجائز، ونظير ما ذكره ابن عابدين الحنفي في دودة القرمز، كما أن علّة المنع عند الجميع عدم الانتفاع؛ فإذا صارت منتفعا بها زالت العلة كما ذكروه في دودة القز والعلق.
وقد قال الإمام النووي: «قال أصحابنا الحيوان الطاهر المملوك من غير الآدمي قسمان:
قسم : ينتفع به فيجوز بيعه كالإبل والبقر .. وكذلك القرد والفيل والهرة ودود القز والنحل فكل هذا وشبهه يصح بيعه بلا خلاف لأنه منتفع به.
القسم الثاني: من الحيوان ما لا ينتفع به فلا يصح بيعه وذلك كالخنافس والعقارب والحيات والديدان والفأر والنمل وسائر الحشرات ونحوها, قال أصحابنا ولا نظر إلى منافعها المعدودة من خواصها لأنها منافع تافهة»([8]) اهـ.
فقوله: (فكل هذا وشبهه يصح بيعه بلا خلاف؛ لأنه منتفع به): ظاهر فيما ذكر من جواز بيع الدود المنتفع به .
وأما تربيتها: فلا إشكال فيه ما دامت نافعة في الوجه الذي علقت به.. والله أعلم بالصواب.
مراجع