قضاء الصلوات آخر جمعة من رمضان

ورد إلينا سؤال يقول فيه السائل:

سمعت عن طريق النت عن حديث منسوب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأود أن أتأكد من مدى صحته: «من فاته صلاة في عمره ولم يحصها فليقم في آخر جمعة في رمضان ويصلى أربع ركعات بتشهد واحد»، وهل يجوز العمل بذلك؟

الحمد لله .. الجواب وبالله التوفيق:

جزى الله السائل خيرا على سؤاله وبحثه عن حكم الحديث، وهذا يعتبر من آكد الواجبات على المسلم حتى لا يقع في كبيرة النقل بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وهو لا يعلم، وحتى لا يدخل في الوعيد الشديد الذي قال عنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: ــ في الحديث الصحيح المتواتر ــ

«من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»[1].

وبالنسبة للحديث المذكور فهو موضوع على رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وليس من كلامه؛ كما نبه على ذلك كثير من المحدثين منهم: العلامة أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي في رسالته «ردع الإخوان عن محدثات آخر جمعة رمضان»[2]، ومع ذكر وضع الحديث يحسن التنبيه إلى أمرين:

أولهما: أن وجود هذا الحديث وأمثاله من الأحاديث الموضوعة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في كتب بعض الفقهاء.. لا عبرة به عند البحث عن حكم الحديث من حيث الثبوت ومرتبته في الصحة، كما أن ذلك لا يغض من قيمة ذلك الكتاب الفقهي الذي ذكر فيه الحديث الموضوع ولا من قيمة مؤلفه، وذلك أن الله تعالى جعل لكل مقام مقالا، ولكل فن رجالا، ولكل عالم مجالا، وللاستزادة ينظر ما نقله الشيخ عبد الفتاح أبوغدة في تعليقاته الحافلة على «الأجوبة الفاضلة» للكنوي[3].

ثانيهما: أن ما اعتاده كثير من المسلمين في عدد من البلدان من قضاء الفروض الخمسة عقب آخر جمعة من رمضان.. لا يجوز فعله إن كان من يقوم بذلك الفعل يعتقد ما ورد في تلك الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من أن قضاءه للصلوات الخمس أو بعضها في ذلك اليوم يغنيه عن قضاء ما فاته من صلوات العام أو العمر[4].

وأما من لم يكن معتقدا لما ذكر وقد شرع له القضاء كأن كانت عليه فائتة، أو أراد قضاء أيام الصبا بعد التمييز ونحو ذلك.. فلا مانع له من القضاء في ذلك اليوم وغيره. وحيث لم يشرع له القضاء بل أراد أن يقضي احتمالا أو شك في كون الصلاة مضت على الصحة من دون سبب.. فالمسألة حينئذ محل خلاف معتبر بين الفقهاء؛ فمنهم من قال: بالحرمة، ومنهم من أجاز ذلك[5]، وحينئذ فلا يسوغ لأحد الإنكار على مثل ذلك؛ لأن الإنكار كما تقرر عند العلماء لا يكون فيما اختلف فيه، بل فيما اتفق عليه.

والخلاصة: أنه لا ينكر على أصل القضاء في آخر جمعة من رمضان، وإنما ينكر على من اعتقد أن القضاء في ذلك اليوم يغنيه عن قضاء ما فاته، أو أثبت حديثا من غير منهج علمي صحيح.. والله أعلم

المراجع:

1
«صحيح البخاري»، رقم (1291)، «صحيح مسلم»، رقم :(3).
2
«ردع الإخوان» (ص:57ـ59ـ63).
3
«الأجوبة الفاضلة» (ص:31).
4
«تحفة المحتاج» لابن حجر (2/457).
5
«حاشية الجمل» (1/282).

شارك الآن على:

Facebook
Twitter
LinkedIn