أقر بمال لآخر والمال وقف

 ما قول العلماء الأعلام أدام الله بهم النفع للخاص والعام في رجل أقر لآخر بمال معين تحت يده والحال أن ذلك المال وقف مثلا على سقاية ويعلم بالاستفاضة ذلك الوقف، فهل والحال ما ذكر يصح إقراره ويؤاخذ به وتسمع دعوى المقر له أو ورثته عليه مؤاخذة بإقراره أم يلغوا الإقرار لكونه يشترط في صحة الإقرار أن لا يكذبه الشرع كمن أقر بنسب ابن معروف النسب من غيره، وكمن أقر بعتق قن غيره لكونه يشترط في المقربه أن يقدر المقر على إنشاء التصرف فيه وهذا مثله، فإن قلتم هذا ليس من باب ذلك ولا يطبق عليه ذلك ويؤاخذ بإقراره فهل إذا أقر المقر له بأن المال الذي أقر به المقر وقف على السقاية مثلا يكون إقراره بالوقف تكذيبا للمقر فيما أقر به وبلغوا الإقرار ولا تسمع دعواه به أم لا؟ وهل الشهادة على إقرار المقر له تثبت تكذيب المقر له ويلغوا الإقرار ويثبت الوقف أم لا تثبت إلا تكذيب المقر له ولا بد من بينة للوقف إذا أريد ثبوته؟ وفيما إذا ثبت الوقف بالشهادة مثلا أما على إقرار المقر بالوقف أو بالشهادة بأصل الوقف مثلا هل تسمع دعوى المقر له أو ورثته مثلا النظارة على الوقف لكونه تحت أيدي أهله تداولته منذ أزمنة قديمة وأن النظارة لهم في ذلك الوقف أم لا تسمع دعواه للمناقضة، وإذا قلتم بإلغاء الإقرار لتكذيب الشرع له أو التكذيب المقر له يجوز للحاكم طلب المقر لمجلس الحكم وسماع دعوى الإقرار عليه أم لا لكونه يعلم كذب المدعي في دعواه والحال ما ذكر؟ أفتونا سريعاً أثابكم الله بالنصوص الصريحة في ذلك، والسؤال من (حريضة).

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه، (الجواب) مستمدين منه تعالى التوفيق للصواب: ذكر علماء الشافعية نفع الله بهم أن من شروط المقر به أن يكون بيد المقر ولو مآلاً، فإذا كان المقر به في يد المقر صح إقراره لأنه حينئذ قادر على إنشاء التصـرف فيه،  قالوا ومحله إذا كان في يده لنفسه فلو كان نائباً عن غيره كناظر وقف وولي محجور لم يصح إقراره، وعليه فإقرار الشخص المذكور والحال ما ذكر السائل من أن المال المقر به وقف على سقاية غير صحيح بل هو لاغٍ لما ذكرناه من أنه ليس تحت يده لنفسه، قال الإمام النووي في متن المنهاج: (وليكن المقر به في يد المقر ليسلم بالإقرار للمقر له) انتهى، قال في النهاية ومثله في المغني: (ومحل ما ذكره المصنف إذا كان في يده لنفسه فلو كان نائباً عن غيره كناظر وقف وولي محجور لم يصح  إقراره) انتهى، وفي حاشية الرشيدي على النهاية: (قوله (في يد المقر) أي في تصـرفه فلا يرد نحو الغاصب)([1]) انتهى، وعبارة فتح الجواد مع المتن: (الرابع المقر به وشرطه أن يقدر على إنشاء التصرف فيه ومن ثم نفذ الإقرار حالا من مالك للتصرف  في المقر به ملكا لا يقبل العزل كما يعلم مما يأتي بماله شرعا إنشاؤه استقلالاً من التصـرفات المتعلقة به كإقراره بعتقه قنه بخلاف ما لا يمكنه إنشاؤه كإقرار بعتق قن غيره أو يمكنه إنشاؤه لا استقلالاً كإقرار ولي الثيب بنكاحها فعلم أن نفوذ الإقرار حالا مختص بما يمكنه إنشاؤه استقلالا) انتهى، وبه يعلم صحة ما ذكرنا من عدم صحة الإقرار والحال ما ذكر؛ إذ المال الموقوف لا يقدر المقر على إنشاء التصرف فيه.

وقول السائل: (وإذا قلتم بإلغاء الإقرار فهل يجوز للحاكم طلب المقر لمجلس الحكم وسماع دعوى الإقرار عليه إلى آخر السؤال؟) جوابه: إن الحاكم المذكور إن كان يعلم وقفية المال المذكور أو ثبت الوقف لديه فلا معنى لسماعه الدعوى حينئذ ولا يجوز له إلزام المقر بالحضور لعلمه عدم استحقاق المدعي مدعاه.

 وقول السائل (فهل إذا أقر المقر له بأن المال الذي أقر به المقر وقف على السقاية إلى قوله إذا أريد ثبوته ؟) جوابه: إن إقرار المقر له بوقف مال المقر به -بفرض صحة الإقرار- تكذيب للإقرار كما هو ظاهر وثبوت إقراره -أي المقر له- بوقف المال بمثابة إقراره وقد ذكروا من شروط المقر له أن لا يكذب المقر قالوا فلو رجع عن التكذيب لم يقبل فلا يعطى إلا بإقرار جديد وعليه فلا تسمع دعوى المقر له بعد ذلك بالمقر به ثم إن إقرار المقر له بالوقف أو ثبوت إقراره بذلك إنما يفيد تكذيب المقر فقط ولا يثبت الوقف إلا بالبينة أو بإقرار من المال تحت يده.

وقول السائل: (وفيما إذا ثبت الوقف بالشهادة الى آخر؟) جوابه: أن من ادعى ملكية المال المذكور لا تسمع دعواه النظارة فيه للمناقضة وتسمع من غيره لعدم المانع والله أعلم بالصواب. وكتبه الحقير: محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم عفا الله عنه في 20شعبان 1371هـ .        

 وكتب تحته العلامة الشيخ سالم بن سعيد بكيّر كان الله له ما مثاله: الحمد لله، ما كتبه سيدي العلامة الأمجد محمد بن سالم من الجواب على السؤال صحيح مقدر فليعتمد وكفى بما نقله من كلام الأئمة شاهداً لصحته فجزاه الله خيراً والله أعلم بالصواب.

1
   نهاية المحتاج وحواشيها (5/82) ط البابي الحلبي، مغني المحتاج (3/281) ط دار الكتب العلمية.

شارك الآن على:

Facebook
Twitter
LinkedIn