ما قولكم في شخص قال في وصيته ما لفظه: أوصيت بأن عندي كذا دين لابني فلان في زواجه وصلاحه في البيت فهل يكون هذا اللفظ وصية لحتى لا تنفذ إلا بإجازة الورثة أو يكون إقراراً بدين والواقع أن الدار التي عمرها وصلح فيها مشروكة بين الإبن المذكور وبين الموصي وآخرين وقد عمر فيها بدون إذن من بعض الشركاء؟
الحمد لله، (الجواب) ونسأل مولانا سبحانه التوفيق للصواب: أن قول الشخص المذكور أوصيت بأن عندي كذا دين لابني فلان ليس بوصيّة؛ إذ الوصية تبرع بحق مضاف ولو تقديراً لما بعد الموت وبقوله إن عندي كذا دين لابني فلان خرج عن كونه تبرعاً وثبت كونه إقراراً والإقرار صحيح حتى للوارث في مرض الموت كما صرحوا به، قال في بغية المسترشدين نقلا عن الكردي: ( (مسألة كردي) أوصى لزوجته بعقار من ضمان لها عليه لم يكن ذلك وصية إلا بالنسبة لتعيين ذلك العقار في الدين؛ إذ الوصية تبرع بحق مضاف ولو تقديراً لما بعد الموت، وبكونه ضمان خرج عن كونه تبرعاً فهو إقرار لا تبرع وهو صحيح حتى للوارث في مرض الموت)([1]) انتهى، وفيها أيضاً نقلاً عن العلامة الحبيب عبدالله بن حسين بلفقيه فيمن قال وأوصى بأن عبده فلان معتوق عتقاً معلقاً قبل مرض موته بثلاثة أيام بعد أن أفتى بنفوذ العتق إن وجدت الصفة ما صورته: (لكن يتردد النظر في قول الموصي وأوصى بأن عبده فلاناً معتوق عتقاً معلّقاً قبل مرض موته بثلاثة أيام؛ إذ في ذلك شبه تنافٍ أو هو هو، فيحتمل إلغاء هذه الصيغة وإن قصدها المعتق؛ لأن المقاصد إذا لم تدل عليها الألفاظ لا تعتبر وقاعدة ما كان صريحاً في بابه تؤيده، ويحتمل صحة العتق نظراً لتشوف الشارع إليه ما أمكن ويكون معنى أوصيت أقررت أو أعلمت ونحوه، ويؤيد هذا قولهم: إعمال الكلام أولى من إهماله وكلام المكلف يصان عن الإلغاء ما أمكن والقلب إلى هذا أميل) ([2])انتهى.
إذا علمت هذا ظهر لك صحة ما ذكرنا من أن قول الشخص المذكور في السؤال أوصيت بأن عندي الى آخر، إقرار لا وصية ويكون معنى قوله أوصيت أقررت أو أعلمت ونحوه كما مر عن بلفقيه، ولا يشكل عليه قوله أخيراً (في تو زواجه وصلاحه في البيت)؛ لأنه إن كان الصلاح في البيت أي مؤونته لازماً على الأب كان إذن له فيه بشرط الرجوع عليه وكان زواج ابنه بمعنى مؤونة زواجه لازمة عليه أيضاً كأن نذر له بشيء في تو زواجه فقد فسّـر المقر بقوله ذلك الأمر الذي لزمه المقر به بسببه فهو كقوله له علي كذا في مقابل الدراهم التي اقترضتها منه مثلاً وإن لم يكن ذلك لازماً على الأب فهو من تعقيب الإقرار بما يرفعه، وقد نصوا على أنه يلغى آخر لفظه الدافع لما أثبته، قال في التحفة مع المنهاج: (ولو قال له عليَّ من ثمن خمر مثلاً ألف لم يلزمه شيء قطعاً أو له عليَّ ألف من ثمن خمر أو كلب مثلاً أو ألف قضيته لزمه الألف، ولو جاهلاً في الأظهر إلغاء لآخر لفظه الرافع لما أثبته فأشبه عليَّ ألف لا تلزمني)([3]) انتهى ومثله في النهاية.
وليس هذا مثل ما لو قال لزوجتي في ذمتي ألف عوض كساويها التي أفتى البلقيني فيها بأن إقراره لغو وأنه ليس من تعقيب الإقرار بما يرفعه لأنه هنا لم يشغل ذمته بشيء يحمل الإقرار عليه بخلاف ثم فإنه ذكر شيئاً يرجع الإقرار إليه وهو الكساوي على أن الزركشي خالف البلقيني فيما أفتى به وجعله من تعقيب الإقرار بما يرفعه، ونقل في التحفة فتوى البلقيني ومخالفة الزركشي له ولم يرجح شيئا فتبين بهذا أن لا إشكال في مسألتنا بل ولا خلاف فيها بين البلقيني والزركشي، نعم للمقر المذكور ثم لورثته تحليف المقر له إن الإقرار عن حقيقة فإن حلف فذاك وإن نكل حلف المقر أو ورثته يمين الرد ولغا الإقرار، ومن المعلوم أن حلف المقر يكون على البت والقطع لأنه على نفي فعله وأن حلف الورثة يكون على نفي العلم لأنه على نفي فعل غيرهم، قال في اختصار فتاوى بامخرمه: (من أقر لآخر بشيء ومات فلورثته تحليف المقر له أن إقرار مؤرثهم عن حقيقة)، ثم قال من أثناء كلام: (بل إن ادعى المقر أن إقراره لم يكن عن حقيقة وطلب تحليف خصمه مكن، ثم إن حلف خصمه فذاك وإن نكل حلف هو يمين الرد)انتهى، وفي التحفة عقب قول المتن (ويصح إقرار المريض مرض الموت لأجنبي) ما نصه: (نعم للوارث تحليفه على الاستحقاق فيما يظهر خلافا للقفال)انتهى، قال عبد الحميد: (قوله (تحليفه) أي المقر له فإن نكل أي المقر له حلف أي الوارث وبطل الإقرار كما أفتى بذلك الوالد رحمه الله انتهى نهاية، قوله (خلافا للقفال) أي ووفاقاً للأذرعي كما نقله المزجد في تجريده هذا، وقد أفتى شيخنا الشهاب الرملي بما قاله الشارح تبعاً للأذرعي انتهى إبن قاسم)([4]) انتهى، ومنه يعلم صحة ما ذكرنا والله أعلم. وكتبه محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم عفا الله عنه ولطف به آمين.
الحمد لله، ما كتبه وقرره المجيب الفاضل هو الصواب إن شاء الله فقد ظهر لنا في ذلك ما ظهر له بعد التأمل والنظر في كلامهم. وكتبه سالم بن سعيد بكيّر سامحه الله.
مراجع