سئل -رضي الله عنه-:
عن رجل صدر منه إقرار بلفظ هو:
(أقررت لفلان بثلث في بيوت بستان ((تلاو)) ببندر[1] منبي[2]، بعد ما يستوفي خَرْجَ[3] عمارة البيت الصغير الذي عمره فلان الفلاني، وهو الذي مكتوب في السِّرْكال[4] في المحكمة) انتهت الصيغة.
فهل يصح هذا الإقرار ويؤاخذ به أم لا؟ فإن قلتم: يؤاخذ به، فهل الاستحقاق المذكور بعد ما يستوفي خرج العمارة أو قبله؟ أفتونا.
فأجاب بقوله:
إنَّ الذي يظهر للفقير فيه جريانُ التفصيل الذي ذكروه في تعليق الإقرار بقدوم زيد ومجيء الشهر، وهو أنه:
– إن قَصَدَ التأجيلَ صَحَّ، ولزِمَه ما أقـرَّ به.
– وإن أطلقَ أو قصَدَ التعليق لم يصحَّ؛ لأنه لم يَجزِمْ بالإقرار. اهـ
وحينئذ: إن قصد التأجيل في مسألتنا إلى استيفائه الخَرْجَ المذكور .. صحَّ الإقرار، ولزِمَه ما أقرَّ به حالاً، وإلا بأن أطلق أو قصد التعليق .. لغا الإقرارُ ولم يصِحَّ؛ لأنه لم يَجزم بالإقرار.
وأيضاً: فالإقرار إخبارٌ بحقٍّ سابقٍ على نفسِه لغيرِه، والتعليق منافٍ له؛ لأن الواقع لا يُعَلَّقُ كما هو واضح.
وإنما قلنا في الصورة الأولى لزمه ما أقرَّ به حالاً؛ لأنَّ التأجيل باستيفائه الخَرجَ مجهولٌ، والتأجيل بالمجهول فاسد، فلزِمه ما أقرَّ به حالاً، ويشهد له قولهم:
(من عقَّبَ إقرارَه بذِكرِ أجَلٍ صحيحٍ متَّصِلٍ .. ثبَتَ الأجلُ، بخلاف ما إذا لم يذكره صحيحاً كقولِه إذا قدِمَ زيدٌ، وما إذا كانَ صحيحاً لكن ذكره منفصلاً – أي: فيلزمه حالاً-)[5] اهـ.
ويحتمل أن يقال: لا يلزمه حالاً، بل بعد الاستيفاء، بحمل إقراره على تمليكٍ سابقٍ بعقدٍ من العقود التي تقبلُ التعليق بالمجهولِ كالنذر، فإنه قابلٌ له كما هو معلوم، لكني لم أَرَ مَن أشار للحمل المذكور فافهم.
نعم، أطلق في موضع من التحفة نقلاً عن بحث الأذرعي عدم اللزوم في نظير المسألة، وعبارتها:
(نعم إن وصل به ما يخرجه عن الإقرار، كَلَهُ عَلَيَّ كذا بعد موتي، أو إن فعل كذا .. لم يلزمه شيء كما بحثه الأذرعي، والثانية: مأخوذة مما يأتي في نحو إن شاء الله تعالى، أنه ليس من تعقيب الإقرار بما يرفعه)[6] اهـ.
ومثلها عبارة النهاية بالحرف[7].
وإطلاقهما المذكور محمول على التفصيل الذي ذكرناه، كما صرَّحا به هما بعدُ.
وهذا كلُّه من حيث الحُكم بالظاهر، أما باطناً فلا يملكه المقَرُّ له ما لم يسبق له ملكٌ حقيقةً على الإقرار من نحو إرثٍ ونذرٍ وهبةٍ ونحوِها؛ لأن الإقرار نفسه غير مُمَلِّكٍ.
فإذا لم يكن كذلك .. فلا يحل له باطناً، ولا يملكه، بل هو باقٍ على ملك المُقِرِّ، ولا يجوز للشاهد أن يشهد والحال ما ذكر إذا علم ذلك كما صرَّحوا به، والله أعلم بالصواب.
المراجع: