سئل -رضي الله عنه-:
عن رجُلٍ توفِّي وقُسِّمت تركتُه بين ورثته، وبقي منها شيءٌ مشاعٌ مشروكُ رجلٍ آخرَ، فباع جميعُ الورثة إلى شريك مورثهم جميعَ ما يخُصُّهم بالإرث في ذلك المال، ثم بعد مضي ثلاث وعشرين سنة والشريكُ يدُه مُترَتِّبة على المبيع جميعِه ادَّعى بعضُ الورثة بأَنَّ البيعَ المذكور والقسمة الجارية كانا وهو صبي، مع أنه قد تصرَّف فيما قُسِمَ له فيه وباعه، ووضَعَ إقرارَه على مَكتُوبِ البيع الذي فيه ما لفظه:
جرى ذلك وحُرِّرَ حال كون كُلٍّ منهم صحيح العقل والبدن جائز التصرف، ولمورثهم وصِيٌّ قاسَمَ وباعَ عن أخيه المحجُور حَجْرَ الصِّبا، فهل تُسمَعُ دعوى المذكور، والحال ما ذُكِرَ، ويبطل البيع وتبطل القسمة، أم لا تُسمَعُ دعواه لكونه في حال البيع مُقِرٌّ ومُدَّعي أنه بالغ حتى إن الوصيَّ لم يتولَّ أمرَه بل هو تولَّى أمر نفسه؟
فأجاب بقوله:
اعلم أن العلماء رحمهم الله تعالى ذكروا أن الصبي إذا ادَّعى البلوغ بالاحتلام مع الإمكان .. صُدِّقَ فيه بلا يمين، وإن ادَّعاه بالسنِّ .. طُولب ببيِّنة، وإن أطلَقَ .. فالذي رجَّحه الشيخ ابن حجر في ((التحفة)) تبعاً للأذرعي أنه يُستَفسَرُ، أي فإن قال بالاحتلام .. صُدِّقَ فيه بلا يمين، وإن قال بالسِّنِّ .. طُولب بالبيِّنة، قال: (فإن تعذر استفساره .. اتَّجه العملُ بأصل الصِّبا)[1].
وذكر ابن حجر في ((تحفته)) أيضاً:
(أنه إن شهِدت به بيِّنةٌ وأطلقت .. فلا بُدَّ من استفسارها، وإن تعرَّضت للسِّنِّ .. فلا بد من بيان قدرِه، إلا إن كان الشاهد فقيهاً موافقاً للحاكم في مذهبه فيكفي اطلاقه وهي[2] رجلان، نعم لو شهد أربع نسوة بولادته يوم كذا .. قُبِلْنَ وثَبَتَ بهِنَّ السن تبعاً)[3].
وحينئذ يقال: إن ادَّعى البلوغ حال البيع والقسمة بالاحتلام .. صُدِّقَ فيه، ولا يُقبل رجوعُه عنه، فلا تُسمع دعواه الآن؛ لثبوت بلوغه حال البيع بإقراره.
ففي ((التحفة)) عند قول ((المنهاج)): (والأصحُّ تصديق مُدَّعي الصحَّة بيمينه) عطفاً على قوله: (ومن غير الغالب) ما نصُّه:
(وما لو زعم أنه عقد وبه نحو صبا، وأمكن أو جنون أو حَجر، وعُرِفَ له ذلك فيصَدَّق فيما عدا النكاح بيمينه أيضاً، وإن سبق إقراره بضدِّه؛ لوقوعه حال نقصه كذا قيل، ورُدَّ بقول البيان: لو أقرَّ بالاحتلام لم يقبل رجوعه عنه)[4] اهـ.
وإن ادَّعاه بالسِّنِّ .. لم يقبل قولُه فيه، فتُسمع دعواه الآن عدم البلوغ حال البيع ويُصدَّق بيمينه أنه عقد وهو صبي، كما تُصرِّح به عبارة ((التحفة)) المتقدِّمة، وإن أطلق استفسر: فإن قال بالاحتلام .. لم تسمع دعواه الآن، وإن قال: بالسِّنِّ .. سُمِعَتْ، ورجَّح الرملي فيما إذا أطلق عدمَ وُجوبِ الاستفسار وقبولَ قولِه مطلقاً، وحَمَلَ ما رجَّحَه الأذرَعيُّ على الندب[5].
فعليه إذا أطلق في دعواه البلوغ حال البيع لم تسمع دعواه الآن عدمه، هذا من حيث الإقرار، فإن شهدت بينة ببلوغه حال البيع لم يسمع دعواه الآن؛ لثبوت بلوغه بها، ولابد فيما إذا أُطلقت من استفسارها -أي من كونه بلغ بالسن أو بالاحتلام-، فإن قالت: بالسن فلابد من بيان قدره كما تقدَّم عن التحفة، واعتمد الرملي والخطيب الشربيني[6] فيما إذا أُطلِقَتْ البيِّنةُ عدمَ وجوب الاستفسار، ولا أثر لمجرَّدِ وضع إقراره على مَكتُوبِ البيع الذي فيه ما رقمَه السائل، حتى تقوم بينةٌ بأنه حال البيع صحيحُ العَقل والبَدن، جائزُ التصرُّفِ، والله أعلم.
المراجع: