السؤال:
الأفاضل أعضاء مجلس الإفتاء بتريم حضرموت، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الموضوع: طلب فتوى شرعية في مسألة الاختلاف بين الأطراف المذكورين أدناه.
المسألة: نحن الطرف الأول: سعيد سالم المهري، استلمنا مبلغاً من المال في صورة عملة أمريكية بعد طلب الطرف الثاني: صالح سعيد، وياسر المهري، عن ثقة ومعرفة به، أن يسدد لهما بعملة محلية، وقد أجاب الطرف الأول للطرف الثاني وأعطاه عملة محلية مقابل العملة المدعى أنها عملة أمريكية، دون العلم أنها مغشوشة، وأعطاه عملة محلية بموجب الصرف الرسمي للعملة الأمريكية.
وبعدها اكتشف الطرف الأول غش العملة الأمريكية بواسطة البنك، أكتشف الزيف وأبلغ عنها السلطات الأردنية التي أحالها إلى الحاكم، وصدر حكم بمصادرتها وإتلافها، وقد أرسل الطرف الأول إلى الطرف الثاني مطالباً بالمبالغ التي أعطيت له مقابل العملة المزيفة، ومعه من البيان والحكم من المحكمة بذلك.
الطرف الثاني: استلم المبلغ من الطرف الثالث: حريزمحمد، وحريزان محمد، المصدر الأول لهذه العملة، مقابل أن يصرفها ليشتري بضاعة له ويكون أمين على صرف هذه العملة، وقد قام الطرف الثاني بجلب البضاعة وسلمها إلى الطرف الثالث وقال له: هذه مقابل العملة التي صرفتها، دون العلم أن الطرف الأول قد تورط في صرف العملة الأمريكية.
وبعد علم الطرف الثاني ما حصل للطرف الأول، أخبر وأعلم أن العملة التي أؤتمن عليها قد اكتشف غشها وزيفها، وطالب الطرف الثاني الطرف الثالث بالمبلغ الذي حصل مقابلة العملة الأمريكية المغشوشة، ولكن الطرف الثالث رفض ذلك بحجة أنه لا يعلم أن العملة التي أرسل بها الطرف الثاني أنها عملة مغشوشة، وقد أصر على ذلك.
وقد أصر الطرف الثاني على المطالبة بالمبالغ التي صرفت مقابل العملة الأمريكية المغشوشة، والتي يطالبه به الطرف الأول، ولما له من براهين وأدلة توضح حجته وتقطع أي شك أن العملة التي استلمها وسلمها البنك أنها صحيحة، بل أنها مزيفة بمعرفة الجهات الرسمية.
ويسوق الطرف الثاني شهود على الطرف الثالث يعلمهم علم اليقين أنهم استلموا منه مبالغ أخرى من نفس هذه العملة الأمريكية، وحاولوا صرفها ولكن اكتشفوا أنها مزيفة وردها إلى الطرف الثاني.
كلما ورد في هذا البيان هو الخلاف بين الأطراف، ويطلبوا من مجلسكم جزاكم الله خيراً أن تدلوهم على الحكم الشرعي حسب الشريعة الإسلامية في ذلك، والسلام عليكم ورحمة الله.
بسم الله الرحمن الرحيم
الإخوة رئيس وأعضاء مجلس الإفتاء الشرعي بتريم المحترمين، تحية.
الموضوع: طلب فتوى شرعية.
نحن حريز محمد، وحريزان محمد، نفيدكم أننا سلمنا المدعوين صالح سعيد، وياسر المهري، مبلغ (21700) دولار أمريكي، وقد قالا أنهما صرفاه في بنك عمان وقبله البنك وأعطاهم مقابل ذلك عما نيا، ولا ذكروا هم ولا البنك في حينه أنها مغشوشة، وأعطاهم صاحب الصرافة بالكامل، وحاسبونا بالكامل وبالتراضي على الصرافة، وأصبح الحساب منتهي من قبل الطرفين.
ومرت عدة شهور، ولا هناك أي بلاغ أو حصول خلاف حول ذلك المبلغ، وبعد المدة المذكورة ادعوا أن الفلوس التي أعطيناهم إياها بالعملة الأجنبية مزيفة، ونحن نقول أن لم يثبت أي شيء علينا من قولهما أن الفلوس مغشوشة، وقد تحاسبنا وانتهى الحساب بيننا.
وحسب ما أوضحنا مرت المدة المذكورة ولم يدع أحد ولم يثبت شيء علينا، كما أنهما قدما شاهدين نحن لا نعترف بهما، كون المعاملة تمت في عمان، والشاهدين في اليمن.
نرجو من فضيلتكم النظر إلى هذه القضية، وهل أنه يجب علينا تسلم المذكور أي شيء؟ نرجو إفادتنا، وجزاكم الله خيراً.
الجواب:
الحمد لله، سائلين منه التوفيق للحق والصواب.
وبعد: فقد وقفت على المسألة الواقعة حال المقدمة كتابياً من الأطراف المتنازعة من المناهيل والمهرة الموقعين على السؤال، فيما يختلفون فيه من تزيف الدولارات المدفوعة لصرفها في البنك أو سلامتها، حيث يدعي المستلمون تزيفها، وأن معهم شاهدين على ذلك، بينما الدافعون للمبلغ ينكرون التزييف ويقولون: بأنها سليمة وليست بزائفة.
وبعد التأمل في تلك القضية وما كتبوه في سؤالهم نحو ذلك، ظهر لي ما يلي:
إذا كان مع المستلمين الدولارات شاهدان مقبولان ليس لهما دخل في القضية، يشهدان بأن تلك الدولارات المستلمة هي بعينها زائفة، وأنها هي التي رفضها البنك في عمان، وكانت الشهادة عند حاكم أو محكم بشرطه بعد تقدم دعوى شرعية، فلا شك في ترجيح جانب المستلمين حينئذ، فيترتب على ذلك أن يلزم الدافعين دفع مقابل ذلك.
وأما إذا لم تكن هناك بينة بذلك، فعندي احتمالان في الموضوع: فيحتمل بأن يصدق المستلم بيمينه بأنها زائفة بعينها التي استلمها، أي عند حاكم أو محكم بعد دعوى كما ذكرنا؛ لأنَّ المستلم كوكيل في الصرف وهو أمين، ويصدق بيمينه في الرد والتلف كباقي الأمناء، فكذا يصدق في المقبوض أو عينه أم غيره.
ويحتمل أن يصدق الدافع بيمينه، أي عند حاكم أو محكم أيضاً؛ لأنَّ الأصل والظاهر السلامة، ودعوى التزييف خلاف ذلك، ولذلك نظائر ذكروها في البيع؛ ولأنَّ من كان القول قوله في أصل الشيء فكذا القول قوله في صفته.
ولم يظهر لي الآن رجحان أي الاحتمالين، ولم أعثر على نص في الموضوع بخصوصه، ولكن الأمر يدور على ذلك ولا يخرج عنه.
وعلى ما ذكرنا، فإما أن يتقدم أحد الأطراف المذكورة بدعواه رسمياً عند حاكم أو محكم، ثم الجواب عنده، وكل منهم يبدي حجته عنده، وعند البحث من الحاكم في القضية يحكم بما يراه، ويكون حكمه قاطعاً فاصلاً يلزمهم العمل به.
وإما يتفقون على الصلح والمسامحة فيما بينهم، وهو المرجح عند عدم أي بينة وحجة في المسألة، ويكون باختيارهم ورضاهم قطعاً للنزاع؛ لأن المسألة فيها غموض، وقد تختلف أقوالهم من حين لآخر، وقد تكون خلاف الواقع، وكل منهم يريد أن يعلو على أخيه ولا ينظر إلى الواقع، كما هو شأن أكثر المتخاصمين.
والحاكم يبني حكمه على الظاهر، وأما الباطن فلا علم لديه، فلهذا كان التصالح هو الأفضل:
( وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌۗ وَأُحْضِرَتِ ٱلْأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحْسِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) [النساء: 128]
كما قال الله تعالى في كتابه، ونرشدهم إلى ذلك، ونحن كمفتين لا نستقبل أي بينة ولا يمين، ولا يحق لنا ذلك كما لا يخفى، وبالله التوفيق.
كتبه الفقير إلى الله:
فضل بن عبد الرحمن بافضل بتريم.
في 29/1/1414 هـ الموافق 7/1993 م.