سئل -رضي الله عنه-:
عن زيد الصَّيرَفِي الذي اتخذ له محلاً في ((سُورابَايَا)) مثلاً، ومحلاً آخر بـ ((سنقافوره)) للتوسط في قبول ودفع الحوالات بين التجار وغيرهم، وذلك بقبض الدراهم التي يريد عمرو التاجرُ المُقيمُ بسورابايا تسليمَها لعمِيله بَكْرٍ المقيمِ بـ ((سنقافوره))، وإعطاءه -أعني عمراً- لزيد صَكَّ[1] حوالة منه على وكيله خالد بمحله بـ ((سنقافوره)) عما قبضه منه باسم بكر عمِيله بـ ((سنقافوره)).
وفي تقاضي زيد هذا ما يسمونه عُمُولة أو خدمة رُبِّـيَّة في المائة على توسطه، ومقابِلَ تَفَرُّغِهِ لهذا التوسُّطِ، وعن قيمة الورق والحبر الذي يستلزمه هذا العمل، وكذا تلقاء الأتعاب في كتابة التحويل وتقييده في دفاتر المحل، ومشاهرة وكلاء ومباشرين للاستلام والتسليم وغير ذلك.
فهل يعتبر هذا السبب الذي اتخذه زيد للكسب سبباً مشروعاً؟ ثم هل يستحقُّ ذلك الذي يتقاضَاه من العُمُولة والخِدمة عمَّا تقدَّم في الأصل؟ وإذا قلتُم: يستحقُّ، فهل يرجع في تقدير القدر الذي يستحقه إلى ما يُعلِنُ مقدارَه هو بنفسه حيثُ يبنى ذلك غالباً على حسب نفقات محَلِّه، وباعتبار مصروفِه الشهري كما هو المَعمُول به في جاوة، أم يرجع إلى القاعدة العامة في التقدير بأجرة المثل؟
فأجاب نفع الله به بقوله:
الحمد لله، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، وهو الموفق للصواب.
إن السبب المذكور في هذا السؤال والعمل المزبور[2] من تعاطي هذه الأعمال شبيهٌ بالقرض، أو هو هو؛ لانطباقِ حَدِّه الشَّرعي عليه، إذ هو تمليكُ الشيء بردِّ بدَلِه أو مثله.
وهو في الأصل من القُرُبات المطلوبات والسنن المندوبات، بل في بعض الصور يصير من الواجبات، كما وردت بذلك الآيات الصريحات والأخبار الصحيحات.
لكنَّه قد تُعرَضُ له أشياءٌ تُخرِجُه عن القُربة إلى الحُرمة، كما إذا كان فيه جَرُّ منفَعَة للمُقرِض أو لهما، كما في مسألة السؤال، فإن فيها جَرَّ منفعةٍ للمقرض، وهي السلامة من مُؤَنِ حَملِها في الطريق، ومن الخَوف عليها، وذلك مُحرَّم داخلٌ في أقسام الربا المُجمَع على تحريمه، لخبر:
«كل قَرضٍ جَرَّ منفعةً فهو ربا»[3].
وجبَـرَ ضَعفُ هذا الحديث مجيءُ معناه عن جمعٍ من الصحابة.
قال علماؤنا، والعبارة للتحفة:
ولا يجوز قرض نقد أوغيره إن اقترن بشرطِ ردِّ صحيحٍ عن مكسَّرٍ أو ردِّ زيادةٍ على القدرِ المُقرَض أو ردِّ جيّدٍ عن رديءٍ أو غير ذلك من كل شرط جرَّ منفعةً للمقرض، كردّه ببلدٍ آخرَ أو رهنِه بدَينٍ آخرَ، فإن فعَلَ .. فسَدَ العقدُ لخبر: «كلُّ قرضٍ جرَّ منفعة فهو ربا»، وجبَر ضعفَهُ مجيءُ معناه عن جمع من الصحابة، ومنه القرض لمن يستأجر ملكه أي مثلاً بأكثر من قيمته لأجل القرض إن وقع ذلك شرطاً، إذ هو حينئذ حرام إجماعاً وإلا كُرِهَ عندنا، وحرُم عند كثير من العلماء، قاله السبكي.[4]
فافهم قوله: (كردّه ببلد آخر)، تجده نصاً في مسألة السؤال.
قال عبد الحميد في حاشيته[5]:
قوله: (كرده ببلد آخر إلخ) ومنه ما جرَت به العادة من قوله للمقترض: أقرضتُك هذا على أن تدفع بدله لوكيلي بمكة المشرفة اهـ ع ش، أي أو أن يدفع وكيلُك بدله لي، أو لوكيلي بمكة المشرفة مثلاً.
فإن قلتَ: إنَّ العمل المذكور في السؤال يجري بينهما غالباً بلا عقد كبقية العقود، فإنها تجري غالباً بين الناس بلا عقد صيغة، وقد ذكر أئمتنا أنَّ الرِّبا لا يجري إلا في عقد.
قلتُ: بفرض عدم جريان عقده أو شرطه المُضِرِّ المذكور، يُكرَهُ عندنا، ويحرُم عند الأئمة الثلاثة، بل وعند كثير من أئمتنا علماء الشافعية، كما تقدَّم نقله عن التحفة.
وعبارة المغني:
قال القاضي والمتولي: (الإيجاب والقبول ليس بشرط، بل إذا قال أقرضني كذا فأعطاه إياه، أو بعث إليه رسولاً فبعث إليه المال صَحَّ القرض، قال الأذرعي: والإجماع الفِعلي عليه وهو الأقوى والمختار، ومن اختار صحة البيع بالمعاطاة كالمصنِّف قِياسُهُ اختيارُ القَرضِ بها وأولى بالصحة).[6]
وأيضاً ذكروا: أن من صرائح القرض: خُذْهُ بمثله، أو بِبَدِله، أو خُذْهُ ورُدَّ بدلَه، أو اصرِفْه في حوائجِك ورُدَّ بدَلَه[7].
فخُلُوُّ العمل المذكور عن جريان مثل هذه الألفاظ، أو عن شرط كون تسليمها ببلد الفُلاني مثلاً، نادرٌ.
وأشنعُ من ذلك وأفضعُ ما يتعاطاه الآن أربابُ الحوالات من إعطاء المحتاج منهم بعض التُّجَّار رُقْعَةَ تحويلٍ على وكيلِه بالبنادر أو ((سنقافوره)) أو ((جاوه)) في رُبَّـيَّات أو ريالات بوروم، ويعطيه التاجرُ بدَلَها في حضرموت مثلاً ريالات فرانصَه ناقصة العدَدِ عمَّا حُوِّلَ به، أو مثلِها ولكنَّ بعضَها نقدٌ والبعضَ الآخَرَ بِضاعةٌ، ويزيد في قيمة البضاعة على قيمة المثل، أو يُسلِّمُه مِثل ما حُوِّلَ به عدَداً ولكن بمُوجب الصَّرفِ يزيد المُحَوَّلُ به.
فهذه الأعمال كلها ظُلُماتٌ بعضُها فوق بعض، يتعاطاها مَن لا خلاق له في الآخرة، أو كان لا يُؤمنُ بيوم الحساب.
وقال الشيخ الكردي في أزهار الرُّبا[8] عندما عدَّد أنواعه:
ومن ذلك ما جرَت به العادة في هذه البلدان من إقراض دراهم بالمدينة، ويَحسِبُونها بالقُروش بحساب المدينة، ثم يأخذونها بمكة أو جدة بحسابها، فتزيد في كلِّ قَرشٍ عدةٌ منَ الدواوين، وهذه الزيادة عين الربا، بل لو أخذ العين بالعين لقلنا إنه ربا، من حيث انتفاع المقرض بحمل تلك الدراهم عنه إلى مكة أو جدة، وحمل خطر الطريق عنه، فقد صرَّح الشيخ ابن حجر في التحفة: (بأن شرط ردِّه ببلد آخر مفسد للعقد ومن الربا).[9]
فعلى المستبرئ لدِينِه أن يتحاشَى عن مثل هذه الأعمال الشنيعة، والأفعال القبيحة ما أمكنه، فإنَّ الورَعَ رأسُ الدِّين وأساسُه، وطريقُ أهل الله المتقين وملاكه، حتى بلغنا أنهم يدَعُون سبعين باباً من أبواب الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام.
وكان الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله لا يجلس في ظلِّ جدار مَدِينِه[10].
وكنتُ كثيراً ما أسمع سيدنا العارف بالله تعالى علي بن محمد الحبشي يقول ما معناه: إنه بَلَغَ من وَرَعِ السَّلَفِ أَنَّهم إذا أرادوا أخذ شيء فتَّشُوا عن مُلَّاكه، وواضعي الأيدي عليه إلى السابع، مخافة أن يقعوا في شُبْهة.
نعم، نقل الكردي عن المالكية[11]: أنَّ خَوفَ الطريق فقط دون راحته من حملها لا يكون مانعاً من حِلِّ القَرضِ، وفيه سَعَةٌ، وظاهر اطلاق أئمتنا خلافه.
وحينئذٍ فلا يخلو متعاطي العمل المذكور -بفرض عدم وجود صيغة- من حرمة على قول الأكثرين، ومن كراهة على قول البعض.
وأما مع وجودها فحرام تعاطي ذلك بالاتفاق، بل بالإجماع، فليتق الله فاعلُ ذلك، (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وفَّـقنا الله لما يحبه ويرضاه، وسلك بنا سبيل أولياه.
وأما بذل الرُّبِّية في قِبَلِ الخِدمة التي ذكرها السائل، فإن قلنا بحرمة هذا العمل وفساده فلا يستحق أخذها؛ لعدم جواز أخذ الأجرة على العمل المحرَّم.
وقول السائل: فهل يعتبر هذا السبب إلى آخره؟ جوابه: نعم، هو سببٌ مشروعٌ لا شَرعِيٌّ، بل هو في الشرع مقطوع وممنوع؛ لأنه غير مطابق للمعنى الشرعي، وما أتى الشرع إلا لإبطال العوائد العرفية التي تناقض الأحكام الشرعية.
وإن قلنا: بكراهته، فإن كان العمل مضبوطاً غير مجهولٍ صحَّتِ الإجارة، واستحقَّ المسمَّى من الأجرة، وإن كان مجهولاً كما هو الغالب فسدت الإجارة، ثم إن علم الفساد وأن لا أجرة، لم يستحقَّ شيئاً، وإن جهل استحق أجرة المثل، والله أعلم بالصواب.
المراجع: