وسئل -نفع الله به-:
عن شخص أوصى للمسجد الفلاني بمال من الثلث، وجعل الآخر رُبُعاً من ثمرة هذا المال الموصَى به للمسجد، ومن ذلك المال ما هو على سبيل العهدة عند الميت، فلما بعد[1] أتى صاحبُ المال المعهد بدراهمه وطلب الفسخ، ففسخ وكيل المسجد واستلم الثمن، وصاحب الربع من الثمرة يطالب.
فهل يتعين صرف ذلك في تملك نخل قطعاً أو عهدة، أو يصرف في غير ذلك؟
فأجاب بقوله:
إنَّ من المعلوم لدى أهل العلوم أنَّ المتعهِّدَ يتصرَّف في المال المعهد بجميع التصرُّفات، ومنها: الوصية رقبة ومنفعة، هذا هو المعتمد المفتى به[2]، خلافاً لبعضهم.
فإذا أراد المعهد أو ورثته الفك أتى بدراهمه، وفسخ له المتعهد المبيع أو ورثته، لكنه لا يتأتى الفسخ من الموصى له، ومثله ناظره كما في السؤال، بل يتعيَّن التمليك؛ إذ لا معاقدة بينهما حتى يقال بصحَّة الفسخ.
والدراهم المذكورة يفوز بها المسجد إذا حصل التمليك من الناظر كما قلنا، ويتصرَّف فيها الناظر بالغبطة والمصلحة، ولا يتقيَّدُ بشيء مما ذكره السائل.
وأما الموصى له بربع الثمرة، فالذي يظهر قياساً على النذر أنه تبقى له ثمرة الربع المذكور، وتعود الرقبة كلها مع ثلاثة أرباع الثمرة للمعهد، مسلوبة منفعة الربع المذكور، وفاقاً [لقضية][3] كلام أبي مخرمه، واعتمده الشيخ علي ابن قاضي، وخلافاً للشيخ محمد بن سليمان أبي الحويرث، حيث جنح إلى بطلان النذر في المؤبدة والمطلقة، ويكون ما هنا مقاساً عليهما قياساً مساوياً إن لم يكن أولَوياً.
هذا ما ظهر للفقير من كلام القائلين بالعهدة، ونرجو أن يوافق الحقَّ.
وبالجملة، فمسائل العهدة لا تزال مُظلِمَة، وفروعُها مشكلة، والخلافُ بين العلماء طرق أكثر مسائلِها كما لا يخفى على مَن مارس كلامَهم.
وفي التحفة[4]:
(تنبيه: وقع لكثيرين من علماء حضرموت في بيع العهدة المعروف في مكة (ببيع الناس) آراءٌ واضحة البطلان لا تتأتى على مذهبنا بوجهٍ، لفَّـقُوها من حَدَسِهم تارةً، ومن أقوال في بعض المسائل تارةً أخرى، مع عدم إتقانهم لنقلِها، فيجب إنكارها وعدم الالتفات إليها).
والله أعلم.
المراجع: