مسألة عن رجل كان يسوق سيارة فطلع معه رجل بصفته مساعد، فطلعت بهم السيارة في جبل ثره المشهور، فوصلت إلى بعض الطريق في الجبل وراح منها السابع، فرجعت مهرولة إلى الوراء وعجز السائق عن ضبطها وتوقيفها، وكان وراءه عدة سيارات، فوقف كل منهم وصاح على السائق الذي في السيارة المذكورة بقوله: (لف إلى الجبل الجانب الأيسـر)، فلف إلى الجبل في الجانب الذي يرجي السلامة فيه، فصدم بالجبل وانقلبت السيارة، فمات المعاون هذا الذي طلعه معه بسبب ذلك، ثم حضـر سائقوا السيارات التي وراء هذه المصطدمة فجاءوا وهي مقلوبة ورفعوا البودي وأخرجوا المعاون المذكور من تحت البودي ميتاً، ثم أخرجوا السائق من الكبن مندهشاً، فهل يلزمه الضمان والحال هذه، حيث والأمر خرج عن اختياره أم يلزمه شيء؟ أفتونا لا عدمكم المسلمون([1]).
بسم الله الرحمن الرحيم، (الجواب) والله أعلم بالصواب: ذكر العلماء نفع الله بهم في اصطدام السفينتين أنه: إن كان بتفريط من الملاحين بمعنى السائقين بأن قصرا في الضبط مع إمكانه، أو سيراً في ريح شديدة لا تسير في مثلها السفن أو لم يكملا عدتيهما، وكان في السفينتين رجال فهلكوا، ضمن عاقلة كل واحد منهما نصف ديات ركاب السفينة وركاب سفينة صاحبه، وإن لم يفرطا ففي الضمان قولان: أحدهما يجب كما في اصطدام الفارسين إذا عجزا عن ضبط الفرسين، والثاني لا يجب لأنها تلفت بغير تفريط منهما فأشبه إذا تلفت بصاعقة. قال بعضهم ومحل القولين إذا لم يكن من جهتهما نقل بأن كانت السفن واقفة فجاءت الريح فقلعتها، فأما إذا سيّرا ثم جاءت الريح فغلبتهما ثم اصطدما وجب الضمان قولاً واحداً؛ لأن ابتداء السير كان منهما فلزمها الضمان كالفارسين، وفرق البعض بينهما وبين الفارسين؛ لأن الفارس يمكنه ضبط الفارس باللجام، والقيم لا يمكنه ضبط السفينة.
قال في النهاية: (فإن وقع الاصطدام لا باختيارهما وقصّـرا بأن سيراها في ريح شديدة لا تسير السفن في مثلها أو لم يعدّلاهما عن صوب الاصطدام مع إمكانه أو لم يكملا عدتهما من الرجال والآلات فضمان ما هلك عليهما لكن لا قصاص، فإن لم يقصـرا أو غلب الريح فلا ضمان، والقول قولهما بينهما في عدم تقصيرهما، وإن تعمد أحدهما أو قصر فلكل حكمه، وإذا كانت إحداهما مربوطة فالضمان على مجري الصادمة، أي إن كانت السفينة واقفة في نهر واسع، فإن أوقفها في نهر ضيق فصدمتها أخرى فهو كمن قعد في شارع ضيق فصدمه إنسان بتفريطه)([2]) انتهى، وعبارة التحفة مع المنهاج(أو اصطدم سفينتان وغرقتا فكدا بتين والملاحان فيهما وهما المجريان لهما كراكبين إن كانتا لهما) ثم قال(هذا كله إذا اصطدمتا بفعليهما أو تقصيرهما كأن قصرا في الضبط مع إمكانه أو سيرا في ريح شديدة لا تسير في مثلها السفن أو لم يكملا عدتيهما، وإلا بأن غلبتهما الريح ويصدقان فيه بيمينهما لم يضمنا لتعذر الضبط هنا لا في الدابة لإمكان ضبطها باللحام)([3]) انتهى.
فعلم من هذا كله أن السائق في واقعة السؤال تضمن عاقلته دية الميت المذكور إن قصـر في عدم الاستعداد في صلاح السكان، أو في تضييع السابع وفي اللف إلى الجبل حيث كان الجبل متسعاً للف السيارة أما إن لم يكن صالحاً للف السيارة فعليه الضمان مطلقاً لتقصيره بذات اللف؛ لأن الاصطدام إنما وقع بسببه وإن لم يقصر في شيء مما ذكر بل استعد بجميع الآلات وحصل الغيار بغير اختياره وكان اللف في موضع واسع وحصل الاصطدام بدون اختياره جاء فيه القولان والراجح منهما عدم الضمان.. وكتبه محمد بن سالم بن حفيظ بن الشيخ أبي بكر بن سالم عفا الله عنه.
مراجع