سئل -رضي الله عنه-: عن رجلين سمِعا سَماعاً مُطلقاً ليلة الثلاثين من رمضان أنه وصلَ خطٌ[1] لقاضي بلدِهما، من بلد أخرى بينهما نحواً من مرحلة، إعلاماً للقاضي المذكور بثبوت شهر شوال تلك الليلة، ثم إنهما أرسلا للقاضي المذكور رسولاً يستخبره عن ثبوت الشهر المذكور ووصول الخط المذكور. فأجاب القاضي: إن الشهر لم يثبت عنده، ولم يصدِّق بما تضمنه الخط المذكور، فأعلنا بالتكبير في الطرق والشوارع والمساجد، وأشاعَا عند العوام أن الشهر ثَبتَ، وأن العيدَ بكرة، وأَلزَما بعضَ الناس بالفطر، وأشاعا أن الصوم غداً حرامٌ، والحال أنهما مستندان في جميع ما ذكر على السماع المذكور أعلى لا غير، مع أنَّ جمعاً كثيرين أكثر من عدد التواتر رأوه يوم التاسع والعشرين صباحاً قبل طلوع الشمس بنحو ثلث ساعة، وتعرض ليلة الثلاثين جمع كثيرون أيضا من أهل حاسَّةِ النظر لرؤيته من أهل تلك البلد وغيرها، فلم يروه، فهل يجوز للرجلين المذكورين الإقدام على الفطر؛ اعتماداً على ما ذكر؟ وهل يسوغ لهما الإلزام بالفطر والتشييع والإعلان اعتماداً على ما ذكر؟ وإذا قلتم بعدم الجواز لهما، وإنهما آثمان بذلك، فهل لولي الأمر زجرُهما وردعُهما وتأديبُهما والحال ما ذُكِرَ؟
فأجاب بقوله:
الجواب -والله أعلم بالصواب- أنه لا يجوز لهما إظهار الفطر، فضلاً عن إظهار شعار العيد من تكبير وصلاة والحال ما ذُكِرَ. قال الشيخ ابن حجر في ((فتاويه))[2]: (وحيث قلنا بجواز الفطر أو وجوبه ولم يثبت عند الحاكم .. وجب إخفاؤه؛ لئلا يتعرَّضَ لمخالفته وعقوبته) اهـ.
فإذا كان هذا في مجرد إظهار الفطر، فما بالك بإظهار شعائر العيد من التكبير والصلاة، فعلى ولي الأمر -أيَّدهُ الله- زجرُهما وردعُهما، وكذا تأديبُهما وتعزيرُهما بما يليق ككل معصية لا حَدَّ فيها ولا كفارة، وأشنع من ذلك وأفضع إلزامهما الغير الفطر، وكأنَّهما طالبان منصب القضاء، ومستشرفان على مركزه للفصل والإمضاء، إذ الإلزام لا يكون إلا للولاة ونوابهم لا للآحاد، ولعمري لقد ارتكبا أمراً فضيعاً وفِعلاً شنيعاً، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وأما مجرد القدوم على الفطر من غير إظهار، فإن علِمَا ما تضمَّنه الخط من الثبوت، وأخبرا بمضمونه أو بثبوته في بلد متحدة المطلع هي وبلدهما، واعتقداه في الكل اعتقاداً جازماً .. جاز، بل وجب الفطر على المعتمد، لكن سرّاً كما تقدم.
وفي قبول الشهادة وثبوته بها والحال ما ذُكِرَ مِن طلوعه يوم التاسع والعشرين أمام الشمس، ورؤية عدد التواتر له خلافٌ منتشرٌ جداً بين العلماء، ولكنَّ الأكثرين قائلون بردِّها وإلغاء الحكم المترتب عليها.
قال في البراهين العقلية[3]: قال العلامة إبراهيم بن علي الأصبحي[4] في كتابه ((اليواقيت في معرفة المواقيت))[5]: (ولا يمكن أن يرى قبل طلوع الشمس وبعد غروبها في يوم واحد، ومن شهِدَ بها .. فهو شاهد زور) اهـ[6]. وشاهد الزور تُرَدُّ شهادته كما هو معلوم.
وممن أفتى برد الشهادة ونقض الحكم المترتب عليها محمد بن علي علان، وعبد العزيز الزمزمي[7]، وأحمد مؤذن[8] باجمَّال[9]، وتبعهم الحبيب العلامة علوي بن عبد الله باحسن[10]، والحبيب العلامة طاهر بن محمد بن هاشم[11]، وعبدون بن قطنة[12]، والشيخ علي بن قاضي[13] وغير هؤلاء، ولم يبالوا بمخالفة الشمس الرملي[14]، وإن تبعه البَرزَنجِي[15] والحبيب عبد الرحمن بن عبد الله بلفقيه، وردُّوا عليهم رداً بليغاً، وصنَّفوا في الردِّ عليهم مسائلَ متعددة.
وفي ((التحفة))[16]:
(وقع تردُّدٌ لهؤلاء وغيرهم فيما لو دل الحساب على كذب الشاهد بالرؤية، والذي يتجه منه أن الحساب إن اتفق أهله على أن مقدماته قطعية، وكان المخبرون منهم عدد التواتر رُدَّت الشهادة وإلا فلا) اهـ.
قال سيدنا العلامة عبد الرحمن بن محمد العيدروس[17]:
سألت بعض مشايخي من المالكية عن مثل هذه المسألة، وهل استحالتها قطعي لديهم -أي الحُسَّاب- أو لا ؟ فأجاب: بأنه قطعي، وإنَّ نَقْلَ كلام الأئمة وأفراده بتصنيف ضائعٌ؛ لأنه ضروري عادي لهم اهـ.
ونقل الشيخ العلامة عبد الله بن قطنة[18] عن السيد العلامة العارف بالله علوي باحسن: بأنه إن وُجِدَ في عصرٍ خمسةٌ من أهل الفلك، واجتمع كلامُهم في تحرير تلك المسألة كفى، وإن لم يوجدوا فكُتُبُهم تُغني عنهم، وإذا وُجِدَ اجتماعُ كلامِ خمسةٍ في تصانيفهم كان ذلك من الخبر المتواتر اهـ بمعناه.
وقال الشيخ عبد الله بن قطنة المذكور:
(تنبيه): الذي يظهر ويتبادر من كلام ابن حجر في قوله: (ولو دل الحساب إلخ) أنه مفروضٌ في استحالة لا تُعلَمُ إلا من قول أهل الحساب، أما ما سبق تقريره في هذه الرسالة[19] من المنع عند ظهور الهلال أمام الشمس بكرة التاسع والعشرين، فهو مدلول نصوص المفسرين والفقهاء والأئمة المجتهدين، فلا حاجة فيه إلى الرجوع إلى أهل الحساب، ولا إلى تواترهم، ولا يشمله كلام الشيخ[20] في اشتراط التواتر.
وعلى التنَزُّلِ في أنَّ كلام الشيخ يشمله فما اشترطه من إخبار عدد التواتر بالاستحالة حاصلٌ بتواتر الكتب، ونقلِه في جملة منها، وقد تقرَّر نقل الاستحالة في كثير من الكتب الشرعية، فضلاً عن الكتب الحسابية، كما عرفتَه مما سبق نقله عن الأئمة، وتواترُ الكتب مُعتَبرٌ، كما نص على ذلك الشيخ ابن حجر في ((تحفته)) في كتاب السير ولفظه: (تواتر الكتب معتدٌّ به، كما صرَّحوا به)[21].
وقال[22] أيضاً في رسالته:
(فصل): فإذا تقرر عندك أيها المنصف ما سقناه في هذه الرسالة، ونظرتَ فيه بعين البصيرة مع قصدِك الدَّوران مع الحقِّ حيثما دار، والكونِ مع أهله وحزبه حيثما أقام وسار، ظهرَ لك أن القول بمنع الشهادة بالرؤية مع ظهوره -أي الهلال- أولَ النهار أمام الشمس، قد تظاهرت عليه أدلة القرآن والسنة، وأقوال الأئمة من المفسرين والفقهاء المبَرَّزين، والعلماء المحققين، تصريحاً أو إشارةً أو إيماءً أو منطوقاً أو مفهوماًوإن منهم الإمام البغوي والإمامين جلال الدين السيوطي، وجلال الدين المحلِّي، والإمام البيضاوي، وكذا البكري، والواحد[23]، وابن عبد السلام، والأذرَعي، والتَّقِي السُّبْكي، وولده تاج الدين، وابن دقيق العيد، وأبو زرعة العراقي[24] والشيخ ابن حجر، والعلامة عبد الله بن عمر مخرمة، ومفتي مكة عبد العزيز الزمزمي، والسيد العلامة سهل بن أحمد باحسن[25]، والسيد العلامة محمد بن أبي بكر شِلِّيه باعلوي[26] والعلامة محمد بن علي علان، والسيد المحقق أحمد بن عمر عيديد[27]، والعلامة إبراهيم بن علي الأصبحي والشربيني، والهروي، والرُّوياني، وابن قاضي شهبة، والعلامة عبد الله بن أحمد بازرعة وغيرهم ممن يكثر عدُّهم، ويتعذر حصرهم من المتقدمين والمتأخرين، ودلت عليه قواعد المذهب وأصوله، وأطنَبَ في ذلك، إلى أن قال: والرجوع إلى الأصل عند قيام الشبهة القوية في استبعاد الرؤية واستحالتهما هو اختيار شيخنا -نفع الله به- قولاً وعملاً، وقد سبق[28] ما يدل على ذلك من كلامه فيما نقلناه عنه(أهـ) وقوله: (هو اختيار شيخنا): يعني بذلك شيخه الأستاذ القطب الأوحد عبد الله بن علوي الحداد، ثم ذكر جملة من كلامه، فانظره .. إن أردته.
والحاصل: أن هذه المسألة طالما طال بين علماء حضرموت فيها النزاع، ونهض كل منهم للردِّ على صاحبه بالباع والذراع، حتى قال الشيخ عبد الله بن أبي بكر الخطيب من أثناء كلامه: والشيطانُ قد بَاضَ وفرَّخَ في حضرموت ونحوها في الأشهر والشَّهادة بها، ولا حول ولا قوة إلا بالله اهـ.
ولكن قد علِمتَ مما تقدَّم أنَّ الأكثرين قائلون ردِّها وإلغاء الحُكم المترتِّب والحال ما ذُكِرَ، وإن كان الشهود عدولاً فضلاً عن غيرِهم، وأنَّى يوجَدُ العدل الآن.
قال سيدي العلامة عبدُ الله بن الحسين بلفقيه:
(وبالجملة فقد تعذَّرتِ العدالة في زماننا؛ لأنَّ الفسقَ قد عمَّ العباد والبلاد، كما قاله الإمام الغزالي والغَـزِّي، فلينظر المنصف في نفسه وبلده، بل في قطره هل يجدُ أحداً من أهل عصره لم يرتكب كبيرة أصلاً، ولم يصرَّ على صغيرةٍ؟ فلو لم يكن من الكبائر إلا الوقيعةُ في العلماء بنحو غيبة أو نميمة أو سِعايةٍ عند ظالم، أو الاستماع إليها والرضى بها التي صارت كالفاكهة في مجالس الخاصة والعامة من غير أن يروا بها بأساً، لكفى بها مفسِّقاً وإن غلَبت طاعاته؛ للإجماع على أنها كبيرةٌ، وكالكبر والحسد والرياء والعجب، وأما الصغائر فلا تدخل تحت الحصر) إلخ ما قال[29].
وقال سيدي الإمام عبد الله بن عمر بن يحيى[30]:
يشترط في الشاهد برؤية الهلال وغيرها لدى الحاكم: الإسلام والتكليف والحرية والرُشْد والنطق والبصر والعدالة والذكورة والمروءة وهي تَرْكُ ما يُزري بفاعله عُرفاً، ويختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأماكن والأفعال، فمِنَ المُخِلِّ بها إدامةُ ترك تسبيحات الصلاة، وترك الوتر، والرواتب، وإدامة تأخير الصلاة عن أول وقتها، ونتف أنف وإبط، ومَدِّ رِجْلٍ بحضرة الناس، وتكرير نتف لحية عبثاً وغيرها.
والعدالةُ: تركُ جميع الكبائر، وغلَبةُ الطاعاتِ للصغائر، فمَنِ ارتكبَ كبيرة وهي كُلُّ جريمة[31] تؤذن بقِلَّةِ اكتراثِ مُرتكبها بالدِّين وقِلَّةِ الدِّيانة .. فهو فاسقٌ، غَلبتْ طاعاتُه معاصيَه أم لا، ومن أصرَّ على صغيرة أو صغائرَ داوم عليها أم لا، أو أكثر من الصغائر ولو من غير إصرارٍ، فإنْ غلَبت طاعاته معاصيه بالنسبة لتَعدُّدِ صُوَرِ الطاعات والمعاصي .. فعدلٌ، وإن غلبت المعاصي أو استويا .. ففاسقٌ) اهـ.
ومن يقول بشهادة الأمثل فالأمثل .. فإنما يقول به في الأنكحة ونحوها من الضروريات، دون الأهلة كما صرَّحوا به.
قال السيد طاهر بن محمد بن هاشم من أثناء عبارة له:
(ثم إني تتبَّعتُ كلام المتأخرين لقبول الأمثل فلم أرَ لأحد منهم تصريحاً بجواز القبول في الأهلة ولا ضرورة فيها، إذ المَدارُ فيها على الرؤية، لا على وجود الهلال فحتى يوجد، بل صرَّحوا في مثل النكاح وعلَّلوه بخشية انقطاعِ التناسل، أو في نحو الأموال خشية ضياع الحقوق، وأما الصوم فالشرط العدالة فحتى شهِدَ العدل، فإن فُقِدَ .. فحتَّى يشهد الجمُّ الغفيرُ الذي يعلم الحقُّ بشهادتهم، إلى أن قال صاحب ((الينابيع))[32] ما لفظه مع إظهار الضمير: (وعند أبي حنيفة رضي الله عنه بالعدل في الغيم، وبكثير في غيره. فقيل: بعدد القسامة، وقيل: أكثر أهل الحلة، انتهت). هذا مع وجود العدالة فما المانع من عدم العدول عن نص المذهب عند فقد شرط العدالة، سِيَما مع عدم التصريح في الاختيار في قبول الأمثل في الصوم من أحد أئمتنا، والمصير إلى وجود الجمِّ الغفير الذي يقطَعُ معه بالصِّدق في المشهود به، كما هو قريبٌ من مذهب الإمام[33] عند وجود العدالة).
الموجود من الجواب والله أعلم بالصواب.
المراجع: