وسئل -رضي الله عنه-:
فيما إذا رؤي الهلال اليوم التاسع والعشرين من رمضان صباحاً في غير أيام القلب والنعائم[1] مع عدالة الشهود وعلمهم وزهدهم، وكونهم يبلغون عدد التواتر، ثم رؤي ليلة الثلاثين من رمضان على أنه هلال شوال، فهل تقبل شهادة الشهود الذين رأوه لشوال، مع أنها مستحيلة رؤيته تلك الليلة؟ إذا قلتم: إن أدلة الحساب قطعية أم لا تقبل؟ وإذا قلتم: لا تقبل، فما الدليل على عدم قبولها؟ أو تقبل فما البرهان الواضح الذي يتبيَّن به خطأ القائلين بعدم قبولها واستحالة رؤيته، إذا أخبر به عدد التواتر صبح التاسع والعشرين؟
أوضحوا وبيِّنوا وانشروا خلاف العلماء، والمعتمد المفتى به في الجهة، وبيِّنوا هل يجوز للقاضي الحكم بالأول أم بالثاني، أو ماذا يعمل مع تساهل الشهود واستعجال القضاة؟ برهِنوا على ذلك -لا عدِمَكُم المسلمون- المسألة واقعة حال، والمستفتي متحيِّر والتوفيق بيد الله؟
فأجاب بقوله:
الحمد لله، والله الموفق للصواب، اعلم أولاً أيها السائل -وفَّقني الله وإياك لمرضاته في جميع أحوالنا حتى نلقاه وهو راض عنَّا في عافية- أني قد سُئلتُ سابقاً عن مثل هذا السؤال أو قريباً منه منذ أزمنة مديدة، وسنين عديدة، فأجبت عنه بإذن بعض مشايخي بجواب طويل، وبسطت فيه الخلاف[2] وتطلبته الآن فلم أجده، وسأجيب الآن على هذا بما بقي في ذاكرتي من ذاك، فأقول:
اعلم أولا أنه لا يخفى السائل أن صريح مذهب الشافعي وجمهور العلماء -رحمهم الله تعالى- أن من شروط الشاهد أن يكون عدلاً[3]، وبتقدير صحتها من غيره عند تعذره أو ندرة وجوده -أي العدل- وخصوصاً في هذه الأعصار وقبله بأزمنه طويلة، إنما هو للضرورة الملجئة إلى ذلك، ولا ضرورةَ في مسألة الهلال، والضرورة إنما تكون في الأموال؛ لخوف فواتها، أو في الأبضاع؛ لخوف الفساد فحسْب، مع أن القائلين بصحتها عند وجود الضرورة المذكورة يقولون بوجوب تقديم شهادة الأمثل فالأمثل -أي الأقل فالأقل فسقا[4]-.
فمن فتاوى الشيخ ابن حجر[5] -نفع الله به- ما لفظه:
(إذا فات شرط العدالة من أهل ناحية فهل يجوز الحكم بمن غلب على الظن صدقه؟ أجاب -نفع الله به-: صريحُ كلام الأصحاب[6] أنه لا يجوز الحكم، واختار ابن عبد السلام ما لا يجري على قواعد المذهب ولا يُعَدُّ منه، قبولَ مَن غلَبَ عليه صِدقُ اللَّهجةِ ولا يُعرَفُ له كَذِبٌ، وتبِعَه جمعٌ متأخرون في أنظارٍ شتَّى، لا تخفى على مَن له أدنى ممارسة بالقواعد. فالحقُّ أن يقال لمن ابتلي بالحكم ببلدٍ ليس في أهلها عدلٌ: أن يقلِّد غيرَ الشافعي في قبول المستور في النكاح وغيره، وأما حكمُه على مذهب الشافعي رضي الله عنه فهو حكم باطل) اهـ.
وفي فتاوى الأَشْخَر[7] -نفع الله به- بسْطٌ في المسألةِ بما حاصِلُه قريبٌ من هذا الإفتاء[8]. وعبارته -أي الشيخ ابن حجر- في التحفة[9]:
(واختار جمعٌ منهم الأذرعي والغَزِّي، وآخرون قولَ بعض المالكية[10]: إنه إذا فقدت العدالة وعمَّ الفِسق قضى الحاكم بشهادة الأمثل فالأمثل للضرورة. وردَّه ابن عبد السلام: بأنَّ مصلَحتَه عارضَتْها مفسدةُ المشهود[11] عليه)[12].
وقال سيدي الحبيب طاهر بن محمد بن هاشم:
“تتبَّعت كلام المتأخرين لقبول الأمثل فالأمثل فلم أرَ لأحدٍ منهم تصريحاً بجواز القبول في الأهلَّة، ولا ضرورةَ فيها؛ إذ المَدارُ فيها على الرؤية، لا على وجود الهلال فحتَّى يُوجَدَ، بل صرَّحوا بذلك في مثل النكاح وعلَّلوه بخشية انقطاع التناسل، أو في نحو الأموال خشية فوات الحقوق، وأما الصوم فالشرط العدالة فحتَّى يشهد العدل، فإن فقد فحتى يشهد الجمُّ الغفير الذي يعلم الحقُّ بشهادتهم.وقريب من هذا الشرط في قبول العدول في الصحو عند الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، قال صاحب ((الينابيع)) ما لفظه مع إظهار الضمير:
(وعند أبي حنيفة بالعدل في الغيم، وبكثير في غيره، فقيل: بعدد القسامة، وقيل: أكثر أهل الحلة اهـ)[13].
هذا مع وجود العدالة، فما المانع من عدم العدول عن نص المذهب عند فقد شرط العدالة، سيما مع عدم التصريح في الاختيار في قبول الأمثل في الصوم من أحدٍ، من اعتبار المصير إلى وجود الجمِّ الغفير الذي يقع معه الصدق في المشهود به، كما هو قريبٌ من مذهب الإمام[14] عند وجود العدالة…” وأطال الحبيب طاهر في ذلك انتهى.
ثم إنهم اختلفوا في العدالة المشروطة في خصوص الشهادة بالهلال ما هي؟ هل هي الباطنة -وهي التي يرجع فيها لقول المُزَكِّين- أو الظاهرة، وهي كما قال النووي[15]: “من عُرِفَت عدالته ظاهراً لا باطناً”[16]، ومعناه كما ذكره الحبيب طاهر المذكور، أن يُخالِطَ في ظاهر أمره، ولا يُعرَفُ منه إلا العدالة، ولكن لا تصل تلك المعرفة إلى الحد الذي يجوز به تزكيته عند الحاكم.
فقال بالأول[17] جماعة من العلماء، وهم الأقلُّون، ومنهم الشيخ أبو مخرمة. وقال بالثاني آخرون، وهم الأكثرون، ومنهم الشيخ ابن حجر[18].
واعلم أيها السائل أيضاً أنهم ذكروا أنَّ من شروط المشهود به إمكانه شرعاً وعقلاً وحِسّاً -أي عادة- ذكرَهُ ابنُ أبي شريف[19] في ((الإسعاد))، وأقرُّوه، ودلَّ عليه كلام الشيخ ابن حجر في تحفته في كلامه على مسألة ما إذا وَصَفَ الشاهد الهلالَ بمحلٍّ، ورُئِي في الليلة الثانية بمحلٍّ آخر لا يمكن الانتقال إليه عادةً، بَانَ كَذِبُ الشاهد، ووجبَ قضاءُ ما أفطروه[20].
إذا علمت ما تقدم، فاجعل ذَينَك الشرطين[21] دستوراً للدخول على المسألة، ودليلاً لوجه منع صِحَّة الشهادة برؤيته مساءً فيها.
هذا وقد طال النزاع في هذه المسألة -أعني مسألة الهلال- وخصوصاً بين علماء حضرموت، فيما إذا رُئِيَ صباحاً يوم تسع وعشرين قبل الشمس، ثم شهدت بينةٌ برؤيته بعد غروب شمس ذلك اليوم، هل تقبل البينة المذكورة أم لا؟ وألَّفُوا فيها التآليف العديدة والرسائل المفيدة[22]، والسؤالات الكثيرة، والأجوبة الشهيرة، ولم يبرَحْ لهم في ميدانها رَكْضٌ، ولم يزَل يعتَرِضُ بعضُهم فيها على بعض، ثم أرسلوا بعض تلك الرسائل والأجوبة إلى علماء الحرمين، يستفتونهم في ذلك، واختلفوا فيها كذلك، حتى قال الشيخ العلامة عبد الله بن أبي بكر الخطيب التريمي في بعض أجوبته: “والشيطان قد باضَ وفرَّخ في حضرموت في مسألة الهلال، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.”
وأما حكم المسألة المسؤول عنها من حيث الفتوى فلها ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: أن تكون البينة الشاهدة مساءً ليست بصفة العدالة، وهذه لا خلاف في بطلانها، وعدم اعتبارها والاعتداد بها، ولا أظن أحداً ينازعُ في ذلك.
وقول من يقول بصحة شهادة الأمثل فالأمثل عند تعذُّر العدالة، إنما يقول به للضرورة الملجئة إلى ذلك، ولا ضرورة في مسألتنا، كما تقدَّم الكلام عليه مستوفى.
الحالة الثانية: أن تكون[23] بصفة العدالة، وعددها أقل من عدد التواتر، فهذه هي التي وقع فيها الخلاف[24]، وتصوير بعضهم لها بكون الرائين له صباحاً عدد التواتر كالشيخ عبد العزيز الزمزمي وابن علان وغيرهما، إنما هو لنقض حكم الحاكم لو وقع بها، كما صرَّح بذلك بعضهم، لا لنفي الخلاف[25].
والقائلون بردِّها وعدم صحتها هم الكثيرون، بل الأكثرون من علماء حضرموت، كالمسألة التي نشأ الخلاف فيها أولاً بينهم التي حكاها صاحب ((المشرع))[26] في ترجمة شيخيه السيد أحمد ابن حسين بلفقيه[27] والسيد أحمد بن عمر عيديد[28]، وسنذكر فيما بعد أدلة القائلين بهذا، ووجه القائلين بقبولها.
الحالة الثالثة: أن يكون الراؤون له مساءً مثل الرائين له صباحاً، ثقةً وعدالةً، وعددُهم عددُ التواتر كالرائين له صباحاً، وهذه الصورة لا تكاد توجد، ولا تتصور على كلام القائلين بالاستحالة إلا في أطول أيام السنة[29] التي استثناها السائل في صورة سؤاله.
فإن فرضنا وقوع هذه الصورة في غير الأيام المذكورة، فالذي يظهر للفقير على كلام هؤلاء تساقط البينتين كلتيهما -الرائين له صباحاً والرائين له مساء- وإبقاء الشهر على ما كان، أخذاً من قول التحفة قبيل البغاة[30]:
(وخرج بالفعل الإقرار، فلو قال أحدهما: أُقِرُّ بالقتل يومَ السبت، وقال الآخر: يومَ الجمعة، فلا تناقض؛ لاحتمال أنه أقر به في كلٍّ من الزمنين. نعم، إن عيَّنا زَمناً في مكانين يستحيل عادةً الوصولُ من أحدهما إلى الآخر فيه، كأن شهد أحدُهما أنه أقر بقتله بمكة يوم كذا، والآخر أنه أقر به في مصر في ذلك اليوم لغت شهادتهما) اهـ[31]؛
لأن الشاهدين في الإقرار بالفعل اتفقا فيه، واختلفا في جريانه بمكانين يستحيل عادة الوصول من أحدهما إلى الآخر.
وما هنا ينبغي أن يكون كذلك؛ لأن البيِّـنتين هنا لم يتَّـفقا على شيء، بل شهِدت كلُّ واحدة منهما برؤيته بمكان يستحيل عادة انتقاله من الأول إلى الثاني.
وإنما قلتُ: وهذه الصورة لا تكاد توجد ولا تتصور الخ؛ وذلك لأن إخبار عدد التواتر يفيد العلم الضروري، فكيف يتصوره مع القول بالاستحالة فتدبَّر.
ثم رأيت للسيد العلامة طاهر بن محمد بن هاشم المذكور كلاماً فيه دلالة لما ذكرنا، واستدل بعبارة التحفة المذكورة، في صورة ما إذا كان الراؤون له صباحاً مثل الرائين له مساء، ولكن لم يبلغ كلاهما عدد التواتر، نقله عنه السيد علوي بن أحمد الحداد[32]، فأردت نقله الآن وإن كان فيه طول؛ لتعلُّقِه بما نحن فيه. قال رحمه الله:
“إنَّ المستحيل العادي[33] قد يثبت بالتواتر، فَرَدُّ البينةِ حينئذٍ بَيِّنٌ من كلامهم، وقد لا[34]، بل تشهد بينة بأنه رُئِي بعد الفجر بنحو أربع دَرَجٍ، ثم تأتي أخرى وتشهد برؤيته بعد الغروب، وحينئذ[35] فما الحكم؟ والذي يؤخذ من كلام الشيخ ابن حجر -نفع الله به- قبيل البغاة وهو: وخرج بالفعل الإقرار، فلو قال أحدهما: أقر بالقتل يوم السبت، وقال الآخر: يومَ الجمعة، فلا تناقض؛ لاحتمال أنه أقر به في كلٍّ من الموضعين[36]. نعم، إن عيَّنا زمناً في مكانين يستحيل عادة الوصول من أحدهما إلى الآخر فيه، كأن شهد أحدهما أنه أقر بقتله بمكة يوم كذا، والآخر أنه أقر به بمصر في ذلك اليوم لغت شهادتهما(انتهى)[37] بتساقط البينتين؛ لأن الشاهدين في الإقرار بالفعل اتفقا فيه، واختلفا في جريانه في مكانين يستحيل عادة الوصول من أحدهما إلى الآخر. وما هنا ينبغي أن يكون أولى؛ لأن البينتين هنا لم يتفقا على شيء، بل شهد كل واحد منهما برؤيته بمكان يستحيل عادة انتقاله من الأول إلى الثاني” اهـ كلامه.
قال الحبيب علوي الحدَّاد بعده: فلله درُّه من إمام نقَّاد فافهم كلامه، إنَّ المستحيل العادي له حكم شرعي غير حكم الحساب، ولا ينكر ذلك صاحب شريعة أصلاً، فعُرِفَ من كلامه: أنَّه إن كان عدد التواتر رأوه قبل طلوع الشمس، ولم يره عدد التواتر بعد غروبها رُدَّت شهادتهم، وإن رأوه غير عدد التواتر قبل الطلوع، ورأوه غير عدد التواتر بعد الغروب تساقطت[38] البيِّـنتان، إذا كانت العادة[39] في جميع ذلك تحيل عادةً الوصول إليه.
ثم قال الحبيب طاهر المذكور:
“أقول: وما عليه مدار حُجَّتي هو منع الشهادة بالمستحيل في العادة وجوده[40]، وما أظن أنهم ينازعونني في ذلك، غير أنَّا في جهتنا هذا الزمان بُلِينا بمَن غلَب عليه التعصُّب والجمود على الظواهر، فتراهم يرون قبول البيِّنة أيَّ وقت كان، ممن كان، ويرون خلاف ذلك هو تحكيم الحساب، ولم يعرفوا أمراً وراء ذلك.
وأقول: متى قامت بينة برؤية الشهر ففيه ثلاث حالات:
الأولى: أن يقول الحساب بدخول الشهر تلك الليلة وجواز الرؤية فيها، فهذا مما لا نزاع فيه.
الثانية: أن يقولوا بدخول الشهر[41] واستحالة الرؤية فيها، فهذا محل نزاع بين الأئمة من أكابر العلماء، فمنهم من منع الرؤية والحال ما ذكر مطلقاً، ومنهم من قَبِلَها مطلقاً، وتوسَّط الشيخ ابن حجر فقال:
“والذي يتَّجِهُ أنَّ الحِسَاب إن اتفق أهله على أنَّ مقدِّماته قطعية، وكان المخبرون منهم[42] عدد التواتر رُدَّت الشهادة وإلا فلا”.
وهذا أولى مِن إلغاء الشهادة، إذا دلَّ الحساب القطعي على استحالة الرؤية، واطلاقُ غيرِه قبولها[43]، وأطال كلٌ لما قاله بما في بعضه نظرٌ للمتأمل.” (انتهى) ما قاله الحبيب طاهر.
قال الحبيب علوي بن أحمد الحداد: وما ذكره ابن حجر، أي في صورة ما إذا ذكره الشاهد بمحلٍّ، ثم رُئِي ثاني ليلة بمحلٍّ لا يمكن انتقاله إليه عادةً، بَانَ كَذِبُ الشاهدِ[44]، ذكره أيضاً الشربيني في المغني[45]، والهروي، وابن قاضي شهبة، قال الحبيب طاهر: ولا يكاد يُوجد[46].
ثم قال:
الثالثة: أن تحيل العادة الرؤية؛ لما ضبطته من سير القمر بالحس والمشاهدة[47]، فلا تُقبلُ البيِّنة والحال ما ذُكِرَ، بل لا تُقبل في كلِّ ما يستحيل عادةً من ذلك وغيره لما تقدم، اللهم إلا أن يكون[48] النزاع منهم في قَدْرِ انتقال الشهر وانضباطه في العادة، والنقلُ والتجربة يشهدان بصدق ما قلتُه، ولا يختص بدَركِه العلماءُ، بل يشاركهم فيه كلُّ ذي حِسٍّ سليمٍ، ومن كان يُنكِرُ فليُجرِّبْ، انتهى.
فإن قلتَ: فما تقول في عبارة التحفة التي ذكر فيها الأخذ بالحساب، وضَيَّقَ الأمر في الأخذ به بقوله:
(والذي يتجه أن الحساب إن اتفق أهله على أن مقدماته قطعية، وكان المخبرون منهم عدد التواتر، رُدَّت الشهادة وإلا فلا) انتهت.
مع قول الحبيب طاهر بن محمد بن هاشم: (وهذا لا يكاد يوجد)، ومع قول الحبيب العلامة عبد الرحمن بن عبد الله بلفقيه في كتابه ((قاطع الجدال)): (ما ذكره الشيخ ابن حجر في عبارته المذكوره إنما هو على سبيل الفرض لا الوقوع؟)
قلتُ: الجوابُ عن ذلك ما أجاب به الشيخ العلامة عبد الله بن محمد بن قطنة بقوله:
تنبيه: الذي يظهر ويتبادر من كلام الشيخ ابن حجر في قوله: (ولو دَلَّ الحساب القطعي إلخ)، أنه مفروض في استحالةٍ لا تُعلَم إلا من قول أهل الحساب، فاشتراط الشيخ تواتر المخبرين من أهل الحساب بالاستحالة المذكورة ظاهرٌ.
أما ما سبق تقريره في هذه الرسالة[49] عند ظهور الهلال أمام الشمس بكرة التاسع والعشرين، فهو مدلولُ نُصوصِ المفسرين والفقهاء والأئمة المجتهدين[50]، فلا حاجةَ فيه إلى الرجوع إلى أهل الحساب، ولا إلى تواترهم، فلا يشمله كلام الشيخ في اشتراط التواتر[51].
وعلى التَّـنزُّلِ في أن كلام الشيخ يشمله، فما اشترطه الشيخ من إخبار عدد التواتر بالاستحالة حاصل بتواتر الكتب، ونقْلِهِ في جُملَةٍ منها، وقد تقرَّر نقْلُ الاستحالة في كثير من الكتب الشرعية، فضلاً عن الكتب الحسابية، كما عرفتَه مما سبق نقله عن الأئمة. وتواترُ الكُتُبِ مُعتَبرٌ كما نصَّ على ذلك الشيخ ابن حجر في تحفته في كتاب السير[52]، ولفظه: (تواتر الكتب مُعتَدٌّ به كما صرَّحوا به).
قال سيدنا علوي باحسن[53]: (فيكفي ذكر الاستحالة في خمسةٍ كتب فصاعداً من كتب الحساب)[54].
والإجماع المنقول بالآحاد حُجَّة أيضاً كما في ((جمع الجوامع))[55]، حينئذ[56]، فيكفى نقل الثقة[57] إجماعُ أهلِ الحِساب أنَّ هذا الأمر مستحيلٌ. وقال: الأمر المأخوذ من الكتاب والسنة هو الذي عليه التعويل، والمخالف لهما مردودٌ، وإن كان في صورة دَليلٍ.
ومن هنا أطلنا النَّفَس في مقدمة (( مَرّ النَّسِيم ))[58]، بنقل ما ورد مما يقتضي اعتبار عادة الحساب، واعتنينا بالجمع بين ما قد يتراءى من الظواهر المنافاة لما ذكرناه، وبين قولهم على وجهٍ لا يعدو فيما نظُنُّ على الصواب، وفوق كل ذي علم عليم. [انتهى][59]
ثم قال الشيخ عبدون المذكور:
تنبيه آخر: اعلم أن مسألة السبكي[60] التي نُوزِعَ فيها أدقُّ مما قرَّره غيرُه ممن سبق النقل عنهم بالمنع من قبول الشهادة عند ظهور الهلال قبل الشمس؛ لأن مسألة السبكي فيما إذا تحققَّت رؤيته خلفَ الشمس، لكنْ دَلَّ الحِسابُ على أنه لا يُرَى لقُربِهِ من الشمس، فالمنازعة التي وقعت من مخالفي السبكي إنما هي في هذا الأمر الدقيق الخفي، ولم تقع منهم منازعةٌ في هذا الأمر الآخر الظاهر الجلي، وهو تحقق رؤيته قبل الشمس، فافهَمْ، وفرِّقْ بين الحقائق؛ لئلا تضِلَّ عن أقوم السُّبُلِ وخيرِ الطرائق.
ولاشك أن مَن وافق السبكي في ذلك الأمر الدقيق، وقال بالمنع من قبول الشهادة فيه، يقول به في هذا الأمر الواضح من باب أولى، ومن نازع السبكي في مسألته لدقَّتها لم تُنقَلْ عنه منازعة فيما قرَّره المانعون في هذه المسألة؛ لأنها من الواضحات الجليات التي يبعد أن تتصوَّر من عالم مُحقِّق إنكارها؛ لوضوح أدلتها واستنباطها من النصوص القرآنية والأدلة النقلية كما سبق تقريره، (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ ) [النساء:83]، والأقرب[61] المأخوذ من بين كلام الأئمة أنَّ المنعَ من قبول الشهادة في هذه المسألة – أعني مسألة ما اذا رؤي نهاراً ثم ليلاً يوم التاسع والعشرين – محلُّ وِفاقٍ، ويبعد فيه تصوير الخلاف والنزاع إلا ممن لا نصيب له في فهم المسألة، والله أعلم، انتهى كلام الشيخ عبدون المذكور.
قلتُ: ظاهر كلام أكثر المتأخرين أن الخلاف مفروض فيما إذا رؤي قبل الشمس صباحاً، لا بعدها، والله أعلم.
فإن قلتَ: صريحُ كلام هؤلاء المنع في مسألتنا من قبيل المستحيل العادي لا الحسابي، قلتُ: الأمر كذلك؛ لأنَّ الحساب أمرٌ دقيقٌ لا يعرفه إلا الآحاد، كما قاله ابن الصلاح[62]، بخلاف المستحيل العادي فيشترك في معرفته العالم وغيره، إذ هو مُدرَكٌ بالعِيان، بمعنى أنَّا نشاهد بالعِيان تنقُّل الشمس والقمر من منزلة إلى منزلة، ومضت على هذه الأعصار لدى الراصدين من أول الدنيا إلى وقتنا هذا.
وأيضا فإنَّ الحادثة الواقعة فيها منازعة السبكي مع غيره قد حكاها الإسنوي[63] في شرحه على المنهاج[64] بقوله:
حادثة شهد برؤية الهلال واحد او اثنان فقط، واقتضى الحساب عدم إمكان رؤيته، قال الشيخ – يعنى المجتهد السبكي -: لا تقبل الشهادة به، إلخ عبارة الإسنوي.
فتراه أطلق العبارة بقوله: واقتضى الحساب عدم إمكان رؤيته، ولم يفرضه –مثلاً– في مسألتنا التي هي رؤيته صباحاً ثم مساءً.
فإن قلتَ: إن الشرع ألغى الحساب بقوله في الحديث الصحيح:
((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته))
وفي حديث:
((إنا أُمَّة أمِّيُّون، لا نحسِبُ ولا نكتُبُ، الشهرُ هكذا تسع وعشرون، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين))[65].
وكذا الفقهاء قالوا: لا عبرة بقول حاسب ولا منجم[66].
قلتُ: قد أجاب عن ذلك الإسنوي بقوله:
إنما قالوا ذلك، أي بعدم العبرة بقولهم – أي المنجمين وأهل الحساب – في عكس هذه الصورة، وهو ما إذا دَلَّ على إمكان الرؤية، والحال أنه لمْ يُـرَ، وصورتنا عكسُها، فتنَبَّه لذلك، انتهى بمعناه[67].
على أنَّ الشيخ سعيد باعشن في (( بشرى الكريم ))[68] استشكل القول بصحة ذلك؛ لأن العبرة بالرؤية لا بالوجود فحسب، وغاية القول بصحة ذلك إنما هو بالنسبة للعمل بذلك في حقِّ أنفُسِهما ولمن صدَّقَهما، ومع ذلك لا يجزئهما عن صوم رمضان عند الشيخ ابن حجر[69]، وقال الرملي: بإجزائه، بل بوجوبه عليهما وعلى مَن صدَّقهما[70]، اهـ.
ودليل القائلين بقبول الشهادة مساءً، وإن رُئِيَ صباحاً قبل الشمس: اطلاق قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:
((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته))[71]
مع قوله: ((الشهر تسع وعشرون، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)).
وفي رواية:
((فاقدروا له ثلاثين))[72].
وفي ذلك تأويلات كثيرة للعلماء لسنا لها الآن، واستدلوا أيضاً بأنَّ الحَرَكاتِ الفلَكِية لا يحصل الجَزمُ بأسبابها ولا بمسبباتها، ولا يترتَّب الآثار عليها؛ لعدم الإحاطة بها في جميع الأحوال، ولهذا لم يعتبرها الشارع، بل انتقل إلى الظل وهو مشاهد، وإلى الرؤية وهي من فعل الإنسان، وإلى الطلوع والغروب وهما مشاهدة الطالع والغارب مفارقاً للأفق صاعداً وهابطاً، فلم يرجع إلا إلى فعل الرائي وهو المشاهدة للصورة والإخبار عنها، وإلى شيءٍ مُشاهَدٍ محسُوس وهو الظل وكلاهما محاطُ به قطعاً، ولم يلتفت الشرع إلى الحركة وتفاوتها صيفاً وشتاءً، وطول النهار والليل وقِصَرَهُما بسببها؛ لأنَّ ذلك وإن كان مقطوعاً به في الجملة، لكن لا يُقطَعُ به في كل جزئي[73] على انفراده.
واستدلوا بأشياء من نحو ما ذُكِرَ، والقائلون بهذا كثيرٌ، فمنهم: الشيخ محمد الرملي تبعاً للزَّركشي، وتبِعَ الرملي كثيرٌ من المتأخرين، مثل السيد محمد البرزَنجي، والحبيب العلامة عبدالرحمن بن عبد الله بلفقيه، والشيخ المحدِّث سالم بن عبد الله البصري[74] وغيرهم.
واستدلَّ القائلون بالمنع وردِّ الشهادة -وهم الأكثرون-، ومنهم: الشيخ ابن حجر، وابن بنته عبد العزيز الزمزمي، وابن علان، وباجمَّال، وغيرهم ممن يعسر عَدُّهم، ويتعذَّرُ حصرُهم، وذلك بأشياء كثيرةٍ تقدَّم بعضُها، ومنها: أنَّ استحالة الرؤية في الحساب مقطوع بها عند أهله، كما مرَّ نقلُه مُوضَّحاً عن الشيخ عبدون بن قطنة، في الكلام على تنبيه التحفة، إن قُلنا هي -أي مسألتنا- داخلة تحت قول أهل الحساب، وبالأولى ما إذا قلنا: إنها من المستحيل العادي، وهو الظاهر من كلام أكثرهم، وإذا قلنا: إن الحساب قطعي، فلا تُعارِضُه البيِّنة؛ لكونها ظنِّيةٌ، والظَّنِّي لا يعارض القَطْعي فحسب.
وأيضا فالشرع لم يأت بالمستحيلات، والرؤية إذا استحيلت أُلغِيَتْ، أو استُبْعِدَتْ أَشكَلَتْ، وإذا أَشكَلَتْ لم تتحقَّقْ، وإذا انتفى التحقُّقُ عنها التَحقَتْ بالعَدمِ، والمشكوك كالمعدوم[75]، ولا تصحُّ العبادة مع الشكِّ في دخول وقتها، ومع عدم الجَزْم بنِيَّتِها، وأيضا فإن القول بمنع الشهادة وردِّها هو الأولى والأحوط؛ لأن المانعَ مُقدَّمٌ على المقتضي، والمحرِّم مقدَّمٌ على المجوِّزِ والمُبِيح، واعتضاده بالأصل وهو بقاء الشهر وغير ذلك مما ذكروه في منعِها وردِّها حتى قال قائلهم منشداً:
هَلاكاً رَأَوا قالوا هِلالاً فصَحَّفُوا وكَمْ ضَلَّ بالتَّصحِيفِ راوٍ وكاتِبُ[76]
وجميع ما ذكرناه هنا هو من حيث الفتوى، ونقل كلام العلماء في ذلك.
وأما من حيث العمل، فالذي أدركنا عليه مشايخَنا مثل شيخنا المحقِّق العلامة عبد الرحمن المشهور، وغالبِ مَن في عَصرِه وخصوصاً ببلدنا تريم من القضاة، أنه متى ثبتَتْ رؤيتُه صباحاً، وكان الراؤون له عدد التواتر، لا يقبلون شهادة الرائين له مساءً، بل يأمرون بعدمِ التَّعَرُّضِ له مساءَ تلك الليلة أصلاً، وكذا إن كانوا أقل من عدد التواتر وهم ثُــقاتٌ.
وقد وقع في وقته -أعني شيخنا عبد الرحمن المذكور- مرَّاتٍ عديدةٍ أنه يُرى في بلد سيئون[77] ويثبته قضاتها، فإذا وصل الخبر إلى تريم يقول لقاضيها: لا تقبَلْهُ ولا تُثبِتْهُ، وما ذاك إلا لما ذكرناه من تحقُّقِ رؤيته صباحاً.
ثم رأيت في ذلك كلاماً للشيخ عبد الله بن قطنة المذكور آنفاً يؤيد ما قلتُه، من أنَّ العمل جارٍ على عدم القبول قديماً حتى عند القائلين بإمكان رؤيته صباحاً ومساءً؛ لاستحالته واستبعاده.
قال رحمه الله:
ومَن نظر بعَين الإنصاف، وتحلَّى بسَنِيِّ الأوصاف، علِمَ وتحقَّقَ أنَّ العلماء المحققين، والفقهاء المبرَّزين من علماء حضرموت وغيرهم إلا مَن شذَّ كالمتَّفقين من حيث العمل على منع قبول الشهادة برؤيته مغرباً إذا تحقَّقت رؤيتُه صُبحاً أمامَ الشمس، القائلين منهم بالإمكان والقائلين بعدمه، وكالمتَّفقين على أنَّ ذلك مستحيلاً أو مستبعداً استبعاداً يمنع القبول، ومنكرين على مَن خالف ذلك، وتساهل فيه من الحُكَّام.
وقد سمعتُ من شيخِنا ومولانا العارف بالله، قُطْبُ العارفين الشيخ عبد الله بن علوي الحداد -نفع الله به- غيرَ مرَّةٍ تشديدَ النكير على المتعرِّضين لرؤيته والحالة هذه، ويُنكر تساهل الحكام في قبولهم مع ذلك، ويرى أنَّ الصواب والأحق إلغاء شهادتهم، وعدم اعتبارها، وترك سماعها والعمل بها، وينسب من قدم على الشهادة إلى الجراءة والإقدام على ما لا يسوغ، ويذكرهم بكلام يُخشى عليهم من مغبته وعاقبته، فلا حول ولا قوة إلا بالله، والله المستعان[78].
وسمعتُه أيضاً يقول:
كان الفقيه العلامة عبد الله بن أبي بكر الخطيب ممن يتعصَّبُ على ذلك، ويشدِّدُ فيه، ويمنع من التعرُّضِ للترائي إذا تحققت رؤيته بُكرةً. انتهى كلام شيخنا نفع الله به بمعناه.
وفي ذلك دليلٌ على أن عملَ الفقيه المذكور على المنعِ من القبول والحالة هذه، وقد نُقِلَتْ عنه وقائعُ تدلُّ على ذلك سمعناها[79] من شيخنا نفع الله به ومن غيره، والله أعلم.
وقال الفقيه المذكور في أثناء كلام:
فالذي نعتمده، ونعمل عليه الوقوفُ عند النصوص. إلى أن قال: غيرَ أنَّ الخللَ قد يكون في البيِّنة، والشيطانُ قد باض وفرَّخ في حضرموت ونحوها في الأشهر والشهادة بها، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، انتهى من خط سيدنا عبدالرحمن بن محمد العيدروس[80].
قلتُ: وقوله: (بالوقوف عند النصوص) حُجَّةٌ للقائلين بالمنع؛ لأنها قد دلَّت على موافقتهم، وهو يدل أيضاً على ميلِه للمنع من القبول من حيث العمل عند قيام القرائن الدالة على الخلل، والإنكار على من تساهل في ذلك، كما حكاه عنه شيخُنا فيما سبق، وإن كان فحوى[81] كلامه يدل على إمكان الرؤية.
وكذلك الفقيه العلامه محمد بن عبد الله باعلي[82] أنكر على حكام هذا الأوان تساهُلَهم في ذلك، كما رأيته بخطه في أثناء كتابٍ منه إلى شيخنا، ولم يحضرني الآن لفظه، مع كونه مائلاً إلى الإمكان أيضاً، والله أعلم.
وقال العلامة أحمد بن محمد مؤذن[83] باجمَّال في نُبذةٍ له منكراً على بعض القضاة في تساهله في قبول الأهلة: وقد عُلِمَ وتُحقِّقَ أنَّ في ثبوت الأهلة عنده السابقة لا يُرى في الليلة الثانية غالباً[84]، وإن رُئِي فهو مما يقطع المحسوس بأن الشاهد تجاسر في شهادته، انتهى.
قلتُ: وقع مثل ذلك في عام اثني عشرة ومائة وألف في خروج رمضان من السنة المذكورة، فإنه وقع التجاسُرُ من الشهود، والتساهُلُ من الحكام في قبولهم، ولم يأخذ سيدنا وشيخنا نفع الله به بمقتضى هذه الشهادة، فصام صبيحتها وأتمَّ الشهر ثلاثين، وتبعه على ذلك جماعة أمسكوا بإمساكه لما بلغهم ذلك عنه، وشدَّد الإنكار في ذلك، بعد أن بلَّغ النصيحة حسبما أخذَه الله على العلماء من التبليغ والبيان.
ووقع أن الهلال لم يُرَ في هذه الواقعة إلا في الليلة الثالثة من تلك الشهادة، التي هي عن الحقِّ مائلة، وعلامات الخطأ والغلط عليها لائحة، وكان من كلامه في هذه الواقعة قال: إن شبهات الضلالات أشدُّ إظلاماً من غيوم السموات، وقد قال عليه السلام:
“فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدَّةَ ثلاثين”[85]
فنرجع إلى الأصل عند ذلك ونعتصم به، انتهى كلامه بمعناه.
قلتُ: وقفتُ على جواب العلامة عبد الهادي بن عبد الله القويعي[86] الشافعي، قرَّر في صدر جوابه المذكور القول بالإمكان، ثم قال في آخر جوابه:
فاعلم -وفَّقني الله وإياك وجميع المسلمين إلى مرضاته- أنه لا ريب أن رؤية الهلال قبل الشمس في اليوم التاسع والعشرين مما يبعث الريبة في الشاهد برؤيته ليلة الثلاثين بعد الغروب، فينبغي التثبت والتروي في ذلك، وعدم التساهل؛ لأن رؤيته صباح التاسع والعشرين قرينة قوية جداً على عدم رؤيته في الليلة الآتية، والتثبت والاحتياط في أمر الرؤية لا يؤدي إلى فوات شيء ولا إفساده، اهـ.
وتقريرُه الإمكان -مع ميله من حيث العمل إلى الاحتياط والتثبت- دليلٌ ظاهرٌ على ما قلناه، من أن ردَّ الشهادة مغرباً مع ظهور الهلال قبل الشمس صبحاً كالمتَّفق عليه عملاً، حتى عند القائلين بالإمكان إلا من شذَّ في ذلك، ومال عن شاكلَة الصواب.
وإنما وقع من شذَّ في الغلط من عدم التأمل وإمعان النظر فيما يترتب على ذلك من مخالفة النصوص؛ استئناساً بما قد تقرَّر عندهم في النفوس، فرضوا أن يكونوا مع الخالفين، وأن يُقال لهم: اقعدوا مع القاعدين.
فإذا تقرَّر ذلك، ظهر لك أنه يجب على القاضي المتولي لقبول الأهلة أن يرد شهادة من يشهد بالرؤية إذا تحقق ظهور الهلال في أول النهار أمام الشمس، ويلزمه إلغاؤها وعدم ترتيب الحكم عليها، وإن كان الرائي عدلاً؛ لمصادمة هذه الشهادة للنصوص المصرحة بالاستتار، وأنه لابد منه، وأنه لا يتغير أبداً؛ لأن الشاهد والحالة هذه إما كاذب أو غالط؛ لكونه شاهداً بمستحيل أو مستبعد استبعاداً يمنع القبول، أو كونه حاد البصر، وقد سبق تقريره أنه غير معتبر، وحمله على الغلط أو حدة البصر أقرب إلى حسن الظن أو إلى العذر إن كان ظاهر العدالة صادق اللهجة، تبعد نسبة الكذب إلى مثله في العادة.
أما من قد عُرف بالمجازفة[87] في الشهادة، وقد حفظ عليه ذلك في بعض الوقائع، فينبغي للقاضي -وفقه الله وسدده- أن لا يُصغي إلى شهادته البتة، حتى يتحقق منه التوبة الصادقة النصوح بالشروط التي ذكرها أئمة الدين في أبواب الشهادات.
ولا يُنكر الغلط ولا يُستبعد، فإن مغلطات النظر كثيرة، وقد ذكر في ((شرح المواقف))[88] وغيره جملة مستنكرة، وقد نُقلت فيها وقائع لأكابر وأصاغر، والله أعلم.
قال السبكي فيما نقله عنه الدميري[89] بعد كلام سبق ما لفظه:
(ولأن الشاهد قد يشتبه عليه أو يرى ما يظنه هلالاً وليس بهلال، وتُريه عينه ما لا يرى، ويكون جهله عظيماً، يحمله على أن يعتقد أن في حمله الناس على الصيام أجراً، أو يكون ممن يقصد إثبات عدالته، فيتخذ ذلك وسيلة إلى أن يُزكَّى ويصير مقبولاً عند الحكام، وكل هذه الأنواع سمعناها ورأيناها)[90].
وقد يحمله ذلك شهود استشعار أن يُقال: فلان رأى الشهر، كما وقع لأُسيفع جهينة سبقه للحاج، ففي الموطأ للإمام مالك -رضي الله عنه-:
أن رجلاً من جهينة كان يسبق الحاج، ويشتري الرواحل فيغلي بها، ثم يسرع السير فيسبق الحاج، فأفلس، فرُفع أمره إلى عمر، فقال: أما بعد، فإن أُسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يُقال: سبق الحاج، انتهى[91].
ومن مغلطات النظر النجوم الكبار كالزهرة والمريخ والمشتري وعطارد وغيرها من النيرات والزواهر، وكذلك ما قد يعرض من الأبخرة المتصاعدة وقطع السحب الدقيقة، وأطراف الأشجار في قلل الجبال، ومما يقرب غلط الشاهد ويقرب الظن بخطئه تهدف الجماعة الكثيرة للرؤية في الوقت الواحد، فلا يرونه مع حرصهم على ذلك وشدة اهتمامهم، ويراه دونهم.
وقد وقع لسيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حضر في جماعة يتراؤون الهلال، وفيهم القاضي إياس[92] المشهور، فزعم أنس رؤيته ووصفه للحاضرين فلم يروا شيئاً حيث وصف، فأدرك إياس القاضي بفضل ذكائه الشائع، فنظر إلى أنس وقد أسن، فإذا شعرة تدلت من حاجبه على عينه، فمسحها ثم قال: أرنا يا أبا حمزة، فنظر فلم ير شيئاً، انتهى[93].
فإن قلتَ: المخبرُ بالرؤية المُثبِتُ، وهو مقدَّم على النَّافي[94]، قلنا: هذا في النفي المطلق[95]، أما النفي المحصور كالحالة هذه فلا يُقدَّم، بل يتعارضان كما ذكروه في محله[96]، وإذا تعارضا تساقطا، ورجع إلى الأصل وهو إكمال العدة.
وسمعتُ شيخنا -نفع الله به- يحكي أن بعض السادة المشهورين رأى في بعض السنين ليلة مظنة الهلال قطعة سحاب فظنها هلالاً، وعزم على الشهادة بذلك، ثم لم يزل يلاحظ ما رآه حتى تبين أنه قطعة سحاب، انتهى.
ويُحكى أن شخصاً حضر عند الذين يتراؤون الهلال ليلاً، فقالوا: الهلال، الهلال، فنظروا فإذا هي حدأة صفحت جناحها بينهم وبين بقية شعاع الشمس، فبرق لهم، فظنوه هلالاً.
وما أحسن ما قاله بعض فضلاء العصر:
هلاكاً رأوا قالوا هلالاً فصحفوا وكم ضل بالتصحيف راو وكاتب
وقال الشيخ عبد الله بن قطنة المذكور أيضاً في أثناء رسالته المذكورة:
(والرجوع إلى الأصل عند قيام الشبه القوية في استبعاد الرؤية أو استحالتها هو اختيار شيخنا -أعني السيد العارف بالله تعالى عبد الله الحداد نفع الله به- قولاً وعملاً، وقد سبق ما يدل على ذلك من كلامه فيما نقلناه عنه.
ومن كلامه[97] [في ذلك][98] أيضاً في أثناء جواب مكاتبة إلى بعض السادة في تلك الواقعة التي سبقت الإشارة إلى ذكرها ووقوعها في سنة اثنتي عشرة ومائة وألف، قال في ذلك الجواب ما صورته:
وما ذكرتم من ظهور الهلال يوم التاسع والعشرين من الشهر، الظهور الواضح البين، ثم استهلاله تلك الليلة، وقبول الشهادة به، فهذا شيء قد أنكرناه من قبل اليوم، مع علمنا بأن مثل ذلك من التساهل، وأنه مما يتوقف فيه ويحتاط له، ولكنا كرهنا أن نشق عصا المسلمين، وحصول التفرقة، فوقعت الموافقة مع ما في الصدر من الحرج من قيام الشبهة القوية في ذلك، ولما رأينا منهم الانجرار في التساهل والتداعي فيه بما لا يمترى ولا يشك في كونه خطأ مجانباً للصواب، توقفنا عن الموافقة لهم في هذه السنة، وبقينا مع الأصل ولم نفطر إلا يوم الخميس، والله تعالى مسؤول أن يوفق الجميع للصواب، ويحسن العاقبة والمآب، ويرينا الحق حقاً، ويوفقنا لاتباعه، والباطل باطلاً ويمن علينا باجتنابه، انتهى.
وقال أيضاً في أثناء جواب كتاب إلى سيدنا العلامة الشريف علوي بن عبد الله باحسن باعلوي بعد أن وقف على مصنفه المسمى ((مر النسيم)) ما صورته:
قد وقفنا على النبذة المباركة التي لكم في مسألة الهلال، ورأينا على مثل ذلك وقريب منه، وقد كنا على ذلك من سابق، ونرى ما سواه ضعيفاً، انتهى.
وأنت إذا تأملت ما تقرر في هذه الرسالة من الأدلة المتعاضدة في استحالة الرؤيا واستبعادها، ووقفت على ما قاله الفريق الآخر، تبين لك ضعف قولهم، وأنه لا مستند لهم فيما ذهبوا إليه إلا إشكالات وشبه ركنوا إليها واعتمدوا عليها لا تقوم بها حجة، ولم يسلكوا فيها على المحجة، ولا يصادم بها هذه النقول والنصوص التي أدركناها؛ لأن الإشكال لا يدفع المنصوص والمنقول، قال الله تعالى:
﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌۭ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌۭ ۖ) [آل عمران:7].
فالمحكم والمنصوص هو الحكم على المتشابه ولا عكس، وهذا جار في جميع أحكام الشريعة والطريقة والحقيقة[99]، والرأي والعقل تابع للنص والنقل ولا عكس[100]، فإياك أن تحكم عقلك ورأيك ما لم تنظر أولاً بعيني قلبك، ولا تغتر بقول كل من قال، ولا تمل مع من مال، حتى تفكر في المخلص والمآل، وما أحسن قول القائل: فانظر إلى المقال لا إلى من قاله، ولا تغتر بصاحب المقالة، ونحوه منقول عن سيدنا علي رضي الله عنه نثراً.
أخرج السمعاني[101] في ((تاريخه)) عن علي رضي الله عنه أنه قال:
“لا تنظروا إلى من قال، وانظروا إلى ما قال اهـ”[102]
وذلك لأن الجواد قد يكبو[103]، والسيف قد ينبو[104]، والحليم قد يتغير، والخريت[105] قد يتحير.
إذا علمت ما ذكر وتدبرت ما زبر[106] مما أمليناه من النقول وسطرناه هنا عن الأئمة الفحول الجامعين بين المعقول[107] والمنقول[108]، والفروع[109] والأصول[110]، ولا سيما كلام محيي رسومهم[111] ومبدي فهومهم[112]، وجامع علومهم وأحوالهم[113]، والحاوي لمعارفهم وأسرارهم[114]، المجمع على إمامته وجلالته، والمتفق على غوثيته وقطبانيته، العارف بالله والدال عليه سيدي الحبيب عبد الله بن علوي الحداد، ظهر لك أن الحق والأولى والأظهر والأجلى إلغاء الشهادة مساء والحال ما ذكر السائل؛ لاستحالتها أو استبعادها استبعاداً يمنع القبول أو يوجب التوقف عنه، لما مر عن الأئمة الفحول، وبهذا مع ما تقدم قبله يعلم الجواب عن قول السائل: هل يجوز للقاضي الحكم بالأول أم بالثاني، إلى آخر السؤال.
وأرجو ممن وقف على هذا الجواب وتأمله بعين الإنصاف، لا بعين الاعتساف، ثم اطلع فيه على خطأ أو خطل أو غلط وزلل أن يرده إلى الصواب، وله الأجر من الله وجزيل الثواب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
المراجع: