السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، ما قول السادة الأعلام نفع الله بهم الخاص والعام في الوقف المعلق الذي حكمه حكم الوصية في كونه يجوز عنه الرجوع، وفي حسبانه من الثلث، وعدم صرفه للوارث، وله حكم الوقف في تأبيده، وعدم هبته، وعدم بيعه، وعدم إرثه؟
فما قولكم ومفهومكم في قول شطا حيث يقول: (وعدم صرفه للوارث)؟ وهل إذا قال الواقف في صيغة الوقف: وقف فلان كذا تبارك ويس وقفاً معلقاً بموته، هل يكون لهذا اللفظ حكم الوصية كعبارة فتح المعين وشطا، أو يكون وقفاً معلقاً فلا يصح، كما شرطوا ذلك في الوقف أنه لابد أن يكون منجزاً فلا يصح تعليقه؟
وكذلك إذا قال الموصي: وللوصي أن يبيع في تركتي لوفاء الديون حيث ينطق أو أي شيء، هل للوصي الاستبداد بالبيع في التركة من غير إذن الورثة أم لا؟ بينوا وأوضحوا، المسألة واقعة حال، والسائل على إشكال، لاسيما أن طلبة العلم بقيدون مختلفون فيها، جزاكم الله خيراً، ولا زلتم نفعاً وعلماء للأنام، وبالله التوفيق.
الحمد لله .. (الجواب) ونسأله التوفيق للصواب:
نص علماء الشافعية نفع الله بهم أنه لا يصح تعليق الوقف إلا في صورتين:
الأولى: كل ما يضاهي التحرير، وهو ما اتفق على أن الملك فيه لله تعالى، كالمساجد والمدارس والمقابر والربط، فيصح تعليق وقفها مطلقاً.
والثانية: تعليقه بالموت، كوقفت داري بعد موتي، أو إذا مت فهو وقف على كذا، فيصح أيضاً، ويقع الوقف بعد الموت، ويسلك به مسلك الوصية من كونه يقبل الرجوع، وكونه من الثلث، ومن أنه لابد فيه من الإجازة إن كان لوارث، ثم يصير له حكم الوقف في تأبيده، وعدم بيعه، وهبته، وإرثه بعد موته.
إذا علم هذا، فقول السائل: (هل إذا قال الواقف وقف فلان كذا تبارك ويس وقفاً معلقاً بموته)… إلخ، جوابه: أنه من الوقف المعلق بالموت، ولكنه إذا كان بهذه الكيفية التي ذكرها السائل فهو باطل، لا لكونه معلقاً بالموت، ولكن لعدم ذكر الموقوف عليه.
ففي التحفة مع المنهاج:
(ولو اقتصر على قوله: وقفت كذا، ولم يذكر مصرفه، أو ذكر مصرفاً متعذراً كوقفت كذا على جماعة، فالأظهر بطلانه، وإن قال: لله؛ لأن الوقف يقتضي تمليك المنافع، فإذا لم يعين متملكاً بطل كالبيع؛ ولأن جهالة المصرف تبطله فعدمه أولى، وإنما صح أوصيت بثلث وصرف للمساكين؛ لأن غالب الوصايا لهم فحمل الإطلاق عليهم، ولأنها أوسع لصحتها بالمجهول والنجس).[1] انتهى.
فإن قيل: ومراد الواقف لمن يقرأ تبارك ويس عليَّ مثلاً، قلنا: إن صرح الواقف بذلك صح الوقف، ومثله أن تراه.
ففي التحفة:
(وبحث الأذرعي أنه لو نوى المصرف واعترف به ظاهر صح، ورده الغزي بأنه لو قال: طالق، ونوى زوجته لم يصح؛ لأن النية إنما تؤثر مع لفظ يحتملها، ولا لفظ هنا يدل على المصرف أصلاً، ومنه يؤخذ أنه لو قال: في جماعة –أي فيما لو قال وقفت كذا على جماعة– أو واحد، نويت معيناً، قُبِل، وهو متجه). انتهى.
وبفرض أن الواقف قال: وقفت كذا على من يقرأ عليَّ تبارك ويس وقفاً معلقاً بموتي، فهذا الوقف صحيح؛ لما علمت بأن تعليق الوقف بالموت صحيح، وأنه يسلك به مسلك الوصية فيما ذكر أعلاه، ثم يصير له حكم الوقف.
وقول السائل: (إذا قال الموصي للوصي أن يبيع في تركتي لوفاء الديون)… إلخ، جوابه: أنه لا يستفيد الوصي الاستبداد بالبيع إلا أن عين الموصي العين التي تباع من التركة لقضاء الدين.
ففي بغية المسترشدين نقلاً عن الأشخر:
(ويس له –أي للوصي– الاستبداد بالبيع بغير إذنه، أي الوارث، أو إذن الحاكم عند غيبته أو امتناعه، بل لا يصح البيع ولا تبرأ ذمة الميت، فيرد المقبوض؛ إذ للوارث إمساك عين التركة وقضاء الدين من ماله ما لم يعين الموصي للأداء مالاً، وإلا وجب الأداء منه، وهذا حيث لم يقل الموصي للوصي: بع عين كذا واقض ديني منها، وما لم يكن في التركة جنس الدين، وإلا استبد في الأولى، وكفى أداء الدين في الثانية، لكن يأثم بعدم المراجعة فيها حيث سهلت في الأصح).[2] انتهى.
ومنه يعلم صحة ما ذكر، والله أعلم.
وكتبه: الفقير إلى الله تعالى محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم، عفا الله عنه، في 27 جمادى الأولى سنة 1385هـ.
الحمد لله، تأملت ما كتبه سيدي العلامة محمد بن سالم بن حفيظ، فرأيته صحيحاً مقرراً، وفيما نقله المجيب من كلام الأئمة الدليل الكافي لصحته، والله أعلم بالصواب.
وكتبه: الحقير سالم بن سعيد بكيّر، سامحه الله.
المراجع: