بيع تراب الأرض الموقوفة

السؤال:

سيدي، لدينا مسألة، وهي أن أرضاً وقف مع إنسان، أي تحت يده، والأصل وقف على مسجد، وبجنبها أرض مملوكة لأناس آخرين، وكانوا يبيعون الطين للبناء من تلك الأرض المملوكة، فحفروها حتى أنزلوها عن مسافة الوقف، مما أدى إلى تلف الوقف، أي عدم صلاحيته للزراعة؛ لعدم استقرار الماء عليه، واضطر صاحب الوقف، أي الذي بيده، أن يساوي الأرض الوقف بالمملوكة.

فما الطريق في تراب الأرض الموقوفة الموجود؟ هل يباع ويصرف لمصالح المسجد؟ أم يساوى به الأرض المملوكة ولا حرج على مالكها أو شبهة عليه في ذلك؟ أم يخرجه إلى الوادي تأخذه السيول؟

أفيدونا، مع علمكم سادتي بأنه لا يجوز أخذ تراب الأرض الموقوفة للبناء به إلا ما جاء السيل مما هو طافح على الأرض، ويصير ذلك المعضوب لما ذكر ذلك في باب الغصب من التحفة مع المنهاج فضلاً.

أفيدونا كيف المخرج لصاحب هذه الأرض، مع العلم أن الصلاح للأرض الوقف لن يتأتى إلا بما ذكر، أي إخراج ترابها الذي هو قدر قامتين.

وأيضاً، هل يمكن أن يغنني هذا بالمناقلة للوقف بقطعة بجنبها مثلها، إذ أخذ منها على من يقول بجواز مناقلة الوقف؟ أم يمتنع كما هو المذهب والمعتمد؟ لا زلتم أهلاً لحل المشكلات، أثابكم الله، آمين.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله، سائلين منه التوفيق للصواب بجاه سيدنا محمد، وصلى الله وسلم عليه وعلى آله والأصحاب.

(الجواب):

صرح العلماء الشافعية رضي الله عنهم بجواز بيع حصر المسجد إذا بليت، وجذوعه إذا انكسرت ولم تصلح إلا للإحراق، كما صرحوا أيضاً بجواز بيع نقض الدار الموقوفة إذا تعذر بناؤها به.

ومنه يؤخذ جواز بيع تراب الأرض المسؤول عنها الذي سبب ارتفاعه تعطلت عن الزراعة، فأخذ ذلك التراب لمصلحة الوقف أولى من بقائه، فيتعطل الوقف به.

فحيث كان الأمر كما ذكر السائل من عدم صلاحية الأرض الموقوفة للزراعة؛ لعدم استقرار الماء عليها، وأن الناظر اضطر إلى مساواة الأرض الموقوفة بالمملوكة التي بجوانبها، فالحكم كما ذكرنا من جواز بيع التراب الزائد، وإن كان مما شمله الوقف، قياماً على الحصر البالية، والجذوع المنكسرة، وجدران الدار الموقوفة إذا تعذر بناؤها به.

ففي المنهاج مع التحفة والنهاية والمغني ما مثاله ملخصاً، والعبارة للتحفة:

(والأصح جواز بيع حصر المسجد إذا بليت، وجذوعه إذا انكسرت أو شرفت على الانكسار ولم تصلح إلا للإحراق؛ لئلا تضيع، فتحصيل يسير من ثمنها يعود على الوقف أولى من ضياعها، واستثنيت من بيع الوقف؛ لأنها صارت كالمعدومة، ويصرف ثمنها لمصالح المسجد إن لم يكن شراء حصير أو جذوع به. ثم قال: وأجريا الخلاف في دار منهدمة أو مشرفة على الانهدام ولم تصلح للسكنى، وأطال جمع في رده أيضاً، وأنه لا قائل بجواز بيعها من الأصحاب، ويؤيد ما قالاه نقل غير واحد الإجماع على أن الفرس الموقوف على الغزو إذا كبر ولم يصلح له جاز بيعه، على أن بعضهم أشار للجمع يحمل الجواز على نقضها والمنع على أرضها؛ لأن الانتفاع بها ممكن، فلا مسوغ لبيعها).[1] انتهى.

وفي بغية المسترشدين نقلاً عن العلامة الحبيب عبدالله بن حسين بلفقيه:

(بيوت موقوفة على معينين أشرفت على الخراب: جاز للناظر إجارة الأرض والبيوت مدة معلومة وإن طالت. ثم قال: بل لو لم يرغب أحد في الوقف المذكور لاستئجار بعضه جاز بيعه في الأصح قياساً على بيع حصر المسجد البالية وجذعه المنكسر كما جرى عليه الشيخان، فتحصيل يسير من ثمنها يعود على الوقف أولى من ضياعها، ويعمر بالثمن الباقي احتياطاً لغرض الواقف وبقية البطون).[2] انتهى.

وفي فتاوى العلامة الشيخ أبي بكر بن أحمد الخطيب، نقلاً عن فتاوى العلامة الشيخ عبدالله بن عمر با مخرمة رضي الله عنهم، فيما إذا انهدم المسجد وأعيد بناؤه بآجر أو حجر، وبقي المتناثر من التراب الأول، والمسجد مستغنٍ عنه، ولذلك التراب ثمن في ذلك المكان:

إنه إن أمكن حفظ التراب المذكور إلى وقت حاجة المسجد له وجب، ولم يجز بيعه، وحاجة المسجد إليه بأن يعمل مدراً له، أو تكبس به قاعة المسجد أو شقته أو نحو ذلك. وأما إذا لم يمكن حفظه إلى وقت حاجة المسجد إليه فإنه يجوز بيعه، ويؤخذ به جزء عقار أو نحو مما يمكن حفظه إلى وقت الحاجة، والله أعلم.[3] انتهى.

وبذلك يعلم صحة ما ذكرناه، والله أعلم.

وكتبه: محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم، عفا الله عنه، وحرر بتريم الغناء في 9 شهر جمادى الأولى سنة 1387هـ.

المراجع:

1
انظر: حواشي التحفة (6/82ـ83).
2
انظر: البغية (صـ176).
3
انظر: الفتاوى النافعة (صـ111).

شارك الآن على:

Facebook
Twitter
LinkedIn